طوب أبو خزامة والحكاية الشعبية
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
يذكر العلامة الأب أنستاس ماري الكرملي رحمه الله في مجلة لغة العرب عند حديثه حول ((طوب أبو خزامة... لما استولى الشاه عباس الصفوي على بغداد في نحو سنة 1033هـ -1623م وذلك بعد حصاره إياها مدة ثلاثة أشهر وكان استيلاؤه عليها بخيانة ابن بكير رئيس الشرطة وبعد أن دخل الشاه المدينة وملكها أمر بقتل الخائن (ابن بكير أغا) فقتل ثم بقى الحكم للشاه ومن يوليه أمرها من رعيته إلى سنة 1048هـ. وذلك أن السلطان مراد خان العثماني قصدها بجيش جرار كامل العدد والعدد فحاصرها (في 8 رجب سنة 1048هـ 15 ت 2 سنة 1638م وكان يشتغل بنفسه في أعمال الحصار الشاقة تنشيطاً للجند. وسلط على أسوارها المدافع الضخمة التي نقلها إليها ولما فتحت المدافع فيها فتحة كافية للهجوم أصدر السلطان أوامره بذلك فهجمت الجيوش كالليوث الكواسر (كذا) في صبيحة 18 شعبان سنة 1048هـ - ك1 1638م
... ختمت بانتصار الجنود العثمانية ...وملك زمامها السلطان مراد خان وولى عليها من قبله والياً هو كجك حسن باشا... وبعد أن تم ذلك رجع السلطان مراد إلى من حيث جاء وقد ترك المدافع التي أتى بها من الأستانة والتي غنمها من الشاه عباس ومن تلك المدافع مدفع (يسمى أبو خزامة) ان ما يرويه العامة حول هذا المدفع يؤسس لولاية المدفع وانه ذو كرامات وخوارق للعادة
وتبدأ حكاية هذا المدفع حينما استعصى على العثمانيين فتح بغداد فرأى أحد الصالحيين في المنام الشيخ عبد القادر الجيلاني يأمره أن يصنع من حدوات الخيل مدفع وهكذا جمعت الحدوات وصهرت وعمل منها مدفع أبو خزامة واشتكى العسكر انعدام البارود فظهر عبد القادر الجيلاني لأحدهم في المنام وأمره أن يستعمل التراب بدل البارود وأن يستعمل الطوب والحجارة بدل القذائف وهذا ما تم وحدث فتح بغداد للسنة العثمانيين بسبب كرامات مدفع أبو خزامة فقد استعمل هذا المدفع الذي تعددت حوله الحكايات والخوارق حتى أصبح الناس يتمسحون به تبركا بل إن نساء السنة في بغداد كن يدخلن رأس المولود في يومه السابع في فوهة مدفع أبو خزامة ثلاث مرات وكانوا يعتقدون أنه يصبح رجل شجاع وشهم ولكثرة تردد عوام بغداد عليه ومبالغاتهم في الإعتقاديه في هذا المدفع ألف الشيخ علامة العراق محمود شكري الآلوسي(توفي سنة 1924م) رسالة بعنوان (القول الأنفع في الردع عن زيارة المدفع) وهي مطبوعة بتحقيق د.عروبة خليل ابراهيم . فند من خلالها ممارسات العوام حول المدفع وبين الراجح والصحيح حول ذلك.
إن مما يذهلني في مثل هذه الوقائع هو قدرة العامة على صناعة الاسطورة الغرائبية المحكية بشكل مكتمل الأركان والاجابة على الكثير من التساؤلات المكملة لحبكة الحكاية أو الاسطورة لهذا أنا أرى أن هناك جوانب إبداعية في شخصية العوام أو السوقة تحتاج منا الدراسة والتأمل فمثلما الرعاع أو العامة أو السوقة فوضويين فهم ينتجون من خلال هذه الفوضى الشعر والحكمة والحكاية وغيرها من إبداع مشهدي أو تصويري أو سمعي وجميعها تصب في صالح الإبداع الإنساني .