أزمة الفهم عند السلفية المحتسبة

ناصر الحزيمي
ناصر الحزيمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

من الأمور التي رسخت في وجدان كثير من المسلمين أن "الفقه" وما يحيط به من معارف مكملة هو الإسلام، والحقيقة أن "الفقه" هو نتاج إنساني، يقول: العمريطي في نظمه لورقات الجويني
وَالفِقهُ عِلمُ كُلِّ حُكمٍ شَرعِيْ
جَاءَ اِجتِهاداً دُونَ حُكمٍ قَطعِيْ

يقول الآمدي في إحكام الأحكام ((... أَمَّا الْفِقْهُ: فَفِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْفَهْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} أَيْ لَا نَفْهَمُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} أَيْ لَا تَفْهَمُونَ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: فَقِهْتُ كَلَامكَ، أَيْ فَهِمْتُهُ.
وَقِيلَ: هُوَ الْعِلْمُ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْفَهْمَ مُغَايِرٌ لِلْعِلْمِ، إِذِ الْفَهْمُ عِبَارَةٌ عَنْ جَوْدَةِ الذِّهْنِ مِنْ جِهَةِ تَهْيِئَتِهِ لِاقْتِنَاصِ كُلِّ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَطَالِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُتَّصِفُ بِهِ عَالِمًا كَالْعَامِّيِّ الْفَطِنِ. وَأَمَّا الْعِلْمُ فَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ عَنْ قَرِيبٍ. وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ عَالِمٍ فَهِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ فَهِمٍ عَالِمًا.
وَفِي عُرْفِ الْمُتَشَرِّعِينَ: الْفِقْهُ مَخْصُوصٌ بِالْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِجُمْلَةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفُرُوعِيَّةِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ.
فَالْعِلْمُ احْتِرَازٌ عَنِ الظَّنِّ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ تُجُوِّزَ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْفِقْهِ عَلَيْهِ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّيِّ، فَلَيْسَ فِقْهًا فِي الْعُرْفِ اللُّغَوِيِّ وَالْأُصُولِيِّ، بَلِ الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِهَا أَوِ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ بِهَا بِنَاءً عَلَى الْإِدْرَاكِ الْقَطْعِيِّ، وَإِنْ كَانَتْ ظَنِّيَّةً فِي نَفْسِهَا.
وَقَوْلُنَا: "بِجُمْلَةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ " احْتِرَازٌ عَنِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ الْوَاحِدِ أَوِ الِاثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى فِي عُرْفِهِمْ فِقْهًا...)).

وقد كانت هذه المسألة "أي الاجتهاد" من المسائل التي حدث فيها الكثير من الخلل عند "الجماعة السلفية المحتسبة"، فالفقه عندهم وفي مفهومهم هو قال الله وقال رسوله فقط، وأفعال الصحابة، وهي مراجع لا تجيب على كل جديد وحديث ونازلة، لهذا وقع السلفيون في حيرة تمثل التهديد لمفهومهم للسلفية، ويتمثل ذلك في الحداثة التي تفتح تعايشهم وتصالحهم مع كل جديد مما يفرز حسب فقههم مسائل حياتية تعتبر من النوازل التي لا حل لها إلا بالاجتهاد، والاجتهاد بغير نص من أكبر المكروهات عند "الجماعة السلفية المحتسبة" لهذا لا تجد الجماعة ترحب بالحديث والجديد ولا حتى بالواقع المعيش، وإنما تتلمس البساطة في المعيش من غير تكلف قد يدخل الفرد في محاذير شرعية مثل الإسراف والبدعة، لهذا لا تجد في منازل "الجماعة السلفية المحتسبة" تلفزيونا أو راديو، ولا يستعملون المسجلات الملحقة بالوانيت. وأنا حضرت مجلسا سئل فيه أحدهم عن حكم الراديو والمسجل الملحق بالوانيت علما أننا لا نستعمله أبدا وإننا قد نزعنا (مفاتيحه) أو (الفرار كما يقول العامة) الظاهرة حتى أصبح شبه الميت، فقال المفتي السلفي أنتم كما تعلمون أن الراديو من عمل إبليس ولا أرى لك أن تبقي إبليس عندك حتى وإن كان ميتا.. بهذه العقلية يريد السلفيون أن يتخلصوا من كل جديد، ولا أكون مبالغا إذا قلت إن "الجماعة السلفية المحتسبة" لم يصدر منها أي فتوى تدل على فقه واجتهاد وتأمل، وفتاوى الرفض لا تدل على الفقه بل هي أيسر ما يمارسه أشباه المتفقهين.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.