السعودية… عبق الأمن وسط زُناخة الحرب

طلحة الكشميري
طلحة الكشميري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

الحدود الفاصلة بين باكستان والهند ليست مجرد خط ترابي، بل هي من أخطر النقاط الجيوسياسية في العالم. إنها الخط الذي لم يضع فقط الجيشين في مواجهة دائمة، بل أسهم لعقود في إعادة تشكيل مسارات السياسة العالمية. فباسم كشمير، أو المياه، أو الإرهاب، أو حتى تصفية حسابات سياسية داخلية، كانت هذه الحدود تشتعل من حين لآخر، مثقلة باحتمالات الانفجار.

لكن بمرور الوقت، وكما ازداد السلاح في المنطقة، ظهرت أيضًا دبلوماسية صامتة، عميقة، لا تكاد تُسمع وسط ضجيج القوة، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى. وقد تجسدت هذه الدبلوماسية في الوساطة السعودية خلال التوتر الأخير بين إسلام آباد ونيودلهي.

مع نهاية عام ٢٠٢٤ وبداية ٢٠٢٥، بدا أن جنوب آسيا على شفير اشتعال نووي جديد، مع تحركات عسكرية متبادلة، واتهامات إعلامية، وخطاب كراهية متصاعد. الهند أطلقت مزاعمها التقليدية، وردّت باكستان بفاعلية على المستويات الدبلوماسية والعسكرية والإعلامية، ما زاد من احتمالات الحرب. وفيما اكتفت القوى الدولية بالتعبير عن “القلق”، برزت السعودية كلاعب دبلوماسي نشط لا مجرد مراقب صامت.

وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية، عادل الجبير، أجرى زيارات متكررة لكل من نيودلهي وإسلام آباد، في ظل استنفار عسكري شامل. لم تكن زيارات بروتوكولية، بل جزء من تحرك دبلوماسي منسق قاده الأمير فيصل بن فرحان، وشمل أيضًا قوى دولية كبرى كأميركا والصين. وتميزت الوساطة السعودية بكونها متزنة، لا تميل لطرف على حساب الآخر، وهو ما كان نادرًا في تاريخ هذا النزاع.

ما يدعو للتأمل ليس دخول السعودية على خط الوساطة، بل توقيت هذا الدخول: لحظة بلغ فيها التصعيد ذروته، وسعى كل طرف إلى تحجيم الآخر دبلوماسيًا. في الماضي، اعتادت المملكة أن تتعامل مع مثل هذه النزاعات بصمت خليجي مهيب أو دعم غير مباشر، أما هذه المرة فقد تغيّر النَفَس الدبلوماسي، في انسجام مع رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ٢٠٣٠، التي تضع التأثير المتزن فوق استعراض القوة.

تستمد السعودية قوتها هنا من الثقة التي تحظى بها لدى الطرفين: فالهند ترى فيها شريكًا اقتصاديًا رئيسًا، وباكستان تراها بلدًا شقيقًا وراعيًا للحرمين الشريفين، لطالما وقفت إلى جانبها في الأزمات. ولهذا، لم ترفض أي من العاصمتين وساطتها، ما يُعد في ذاته إنجازًا دبلوماسيًا لافتًا.

وإذا ما وُضعت هذه الوساطة في سياق السياسة الخارجية السعودية الأشمل، فهي استمرار لتقاليد عريقة في السعي إلى الحلول السلمية، من جمع الأفغان في مكة في الثمانينيات، إلى الوساطة بين الفصائل الفلسطينية، ثم مؤخرًا في ملفات أوكرانيا وروسيا. إنه خط تصاعدي من التأثير يصل الآن إلى جنوب آسيا.

أما بالنسبة لباكستان، فهذه اللحظة تستوجب تحليلًا، وامتنانًا، وتخطيطًا. تحليل للموقف الذي كان قد يتطور إلى حرب، وامتنان للدور السعودي المتزن، وتخطيط لتحويل هذه الوساطة إلى سياسة دائمة لبناء سلام إقليمي لا يرتكز فقط على التهدئة المؤقتة.

السعودية بدورها مدعوة لتحويل هذا الدور إلى مؤسسة دائمة تُعنى بالدبلوماسية الوقائية، لا مجرد الاستجابة للأزمات.

وإذا كانت المنطقة قد نجت اليوم من الحرب، فبفضل الدبلوماسية السعودية التي جمعت بين الرقي، والتوقيت، وفهم التوازنات. وإذا كُتب للمنطقة غدٌ أكثر سلامًا، فسيكون أساسه تلك الخطوات الصامتة القادمة من الرياض، التي بعثت بعض الصفاء في أجواء مشبعة بالدخان.

وإن كانت البشرية جادة في البحث عن السلام، فعليها أن تُنصت للنهج الذي رسمته الرياض: نهجٌ لا يرى في السلام ضعفًا، بل يُعيد تعريفه على أنه حكمة وقيادة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط