إسرائيل: القوة العزلة
يعيش اليمين الإسرائيلي المتطرف داخل حدود المستوطنة بجسده وعقله وكيانه ولا يستطيع أن يتجاوزها حتى في تفكيره، بينما يضع أمامه المُتخيّل الافتراضي القديم ولا يدرك واقع العجز في الوصول إليه، أمام المتغير الجديد والذي تحولت فيه القوة من أداة للتغير إلى عبء قد يدفع صاحبه نحو العزلة، وهي الحالة التي تعيشها حكومة اليمين الإسرائيلية اليوم، فالمسألة أكبر من تصاعد الموقف الأوروبي والأميركي لوقف الحرب في غزة، نحو خطوات أوروبية للاعتراف بالدولة الفلسطينية وحل الدولتين، وما يعنيه هذا أن إسرائيل تدخل باب العزلة الدولية من الباب الواسع إذا بقيت تصر على مواقفها، لأن هذا الاعتراف يضع مفهوم قوة إسرائيل موضع استفهام كبير.
الأصل في مسألة القوة الإسرائيلية أنها ليست ذاتية المنشأ، لأن إسرائيل تعتمد في منظومتها العسكرية على الغرب، إذ إن الدول الأوروبية وغيرها التي ستعترف بالدولة الفلسطينية، هي عملياً تكون قد وضعت على الطاولة مسألة السلاح الذي تزود فيه إسرائيل وكيفية استخدام إسرائيل لهذا السلاح، ما يعني أن ثمة قيودا مقبلة وغير متوقعة سوف تجد إسرائيل نفسها في مواجهتها، عوضاً عن الانتصار الدبلوماسي الذي يحققه الفلسطينيون في المحافل الدولية، والذي ترى فيه إسرائيل أنه بات يدفع بها نحو العزلة الدولية، فالرواية الإسرائيلية بعد المجازر في غزة لم تعد مقنعة، أمام هول المأساة الإنسانية، وهو ما تخشاه الأصوات المعتدلة في إسرائيل، والتي تجاوزت حدود المقاربة من النتائج المترتبة على الحرب في غزة، إلى توجيه اتهامات مباشرة من داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية تعتبر فيه الجيش الإسرائيلي يمارس هواية قتل الأطفال.
السجال الإسرائيلي الداخلي له مكانة خاصة الآن ويزيد من حالة الاستقطاب في الشارع الإسرائيلي، ما يعني أن الساحة في إسرائيل تتجه نحو إعادة تشكيل المشهد السياسي من جديد وسط تضارب في المصالح يطال حتى داخل القوى اليمينية، لكن أهم ما في المعادلة الإسرائيلية اليوم أنها تشير بشكل مفصل إلى ما تحدث فيه أكثر من مسؤول في حكومات سابقة عن وجود انتهاكات بحق الفلسطينيين، لكن الحديث عن الانتهاكات كان بالعموم دون توصيف واضح، والذي جاء صادماً داخل الشارع الإسرائيلي وخارجه من خلال رئيس حزب الديمقراطيين يائير جولان بقوله "إسرائيل في طريقها لأن تصبح منبوذة مثل جنوب أفريقيا... الدولة العاقلة لا تشن حربا ضد المدنيين، ولا تقتل الأطفال كهواية، ولا تضع هدفها تهجير السكان".
هذه المكاشفة العلنية تحدث لأول مرة في الوسط السياسي الإسرائيلي، وهو ما رد عليه بني غانتس بالمطالبة "بالاعتذار للجيش الإسرائيلي وأن عليه أن يعود إلى رشده". وهو ما يعكس توجه الساحة الإسرائيلية الداخلية نحو مزيد من الغموض في مسلسل التحالفات القادمة، إذ باتت صورة المشهد الإسرائيلي في الخارج وعملية ترميمه تأتي على حساب الفكرة القديمة التي كانت تروجها إسرائيل والتي كانت تركز فيها على فكرة أمن إسرائيل التي تواجه مخاطر داخلية، بينما ذهبت الصورة الجديدة بعد انكشاف ما يحدث في غزة نحو قراءة مختلفة تماماً لما كانت تقوله إسرائيل، بالتالي فمن هو الذي سيعيد صورة إسرائيل كما كانت، هل هو تحالف اليمين الذي أصبح مفضوحاً للعلن، وبالطبع هذا غير ممكن.
على المستوى الأوروبي ثمة تسونامي قادم يعصف بالاقتصاد الإسرائيلي بعد مراجعات بريطانية وإسبانية وإيطالية وغيرها للاتفاقات الاقتصادية مع إسرائيل، إضافة إلى مطالبات هولندية في بروكسل بإعادة النظر في اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، ما يعني أن إسرائيل تخسر على المستوى الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري وأيضاً الأخلاقي، وتأتي النتائج في مصلحة الفلسطينيين.
إذا كانت الحروب هي القوة الوحيدة عبر التاريخ التي تستخدم لإحداث تغييرات جوهرية في عالمي السياسة والسيادة فهذا كان من الماضي، فنحن اليوم أمام تحولات سياسية على المستوى العالمي لا تصنعها لغة القوة، بل نحو هزيمة فكرة الحروب ودوافعها ومسبباتها، وثمة مساحة عربية كبيرة مسببة لهذا التحول العالمي ولها مكانتها في عالم الدبلوماسية والسياسة.
بالتالي إن الانتصار للقضية الفلسطينية على المستوى العالمي لم يتحقق من خلال برنامج حماس وداعميها، وما تناله القضية الفلسطينية اليوم كان بفعل الدعم العربي اللامحدود الذي بذلته الدبلوماسية العربية التي وقفت الى جانب معاناة الفلسطينيين من أجل وقف الحرب وقيام الدولة الفلسطينية، وهذا بالطبع ينعكس على إسرائيل التي تذهب نحو العزلة ما لم تعط الفلسطينيين حقوقهم التي اعترفت بها المنظومة الدولية.
العرب يفتحون أبواب المستقبل.