حقوق الفلسطينيين… والأرض الواسعة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
كان أجدى البدء بسلاح “حزب الله”. لكن ما دامت الدولة مصمِّمة على تدشين حصر السلاح بالمخيمات، فإن حلَّ مسائل مُزمنة تتعلق بحقوق الفلسطينيين المدنية بات ضرورياً، أخْذاً في الاعتبار معاناتهم الطويلة وتطورات المنطقة الهائلة التي توجب التخلي عن كثير من المسلَّمات.
على المُحاور الفلسطيني الأمني السياسي إدراك أنه غير مقبول نهائياً مقايضة السلاح بالحقوق. فالسلاح لا مبرر له أو مكان، شرعيته ساقطة أصلاً لأنه انتهك سيادة دولة مضيفة وشكّل صاعق تفجير الحرب الأهلية الإقليمية ووقودها، وهو منتهي الصلاحية بإعلان من الرئيس الفلسطيني وريث ياسر عرفات.
لا ضرورة لنكء جروح الحرب ولا لاستثارة البطولات أو الأوجاع. نحن أبناء اليوم ونطوي صفحة خمسين عاماً لنتذكر ونعتبر وننظر إلى المستقبل… فلنعترف قبل كل شيء بأن موضوع “حق العودة” المثبت في قرارات الأمم المتحدة صار سراباً في وقت يحاول عبَثاً أصحابُ الضمير الحيّ في العالم وقف الإبادة في غزة، ولا يملكون ما يردع إسرائيل عن إقامة 22 مستوطنة جديدة في الضفة.
وهكذا فإن “التوطين” الذي أنزلناه في الدستور بين المحرّمات هو واقع لن يزول بمجرد الإنكار والتزام “الكتاب”. وستبقى الدولة مسؤولة عن نحو 300 ألف فلسطيني مقيمين في لبنان وعن ظروف عيشهم، ويعود إليها أن تقرر هل تبقى مخيماتهم بؤر فقر وتفريخ حاقدين ومتطرفين أم أنها ستقارب الموضوع بما تفرضه حقوق الإنسان ومصلحة لبنان في أن يعيش المقيمون على أرضه بسلام واكتفاء.
فلنتذكر أن مئات الفلسطينيين تظاهروا قرب السفارة الكندية قبل سنوات طالبين الهجرة. ولو فتح الباب على مصراعيه لفرَغت المخيمات عن بكرة أبيها وتوزَّع أهلها في أصقاع الأرض طلباً للعيش الكريم. إن خطة متدرجة لتنظيم حياة الفلسطينيين ومستقبلهم يمكن أن تتضمن – بعد جمع كل السلاح وفك الحصار عن المخيمات – توسيع عدد المهن التي يحق لهم القيام بها. فلدى كثيرين منهم القدرة على كسب العيش والإنتاج والمساهمة في الحركة الاقتصادية كسباً وضرائب سواء بسواء. مثلما يجب أن يعاوَد السماح لهم بالتملك المحدود بدل التحايل على القانون وخلق تعقيدات توريث أبناء اللبنانيات منهم وإبقاء الاكتظاظ القاتل في التجمعات.
كلنا يعلم قدرات دولتنا المحدودة، غير أن الدول المتعاطفة مع الفلسطينيين يمكن أن تساعد لتحسين البنى التحتية في المخيمات وتحويلها أماكن صالحة للحياة. ومطالب الفلسطينيين كثيرة كمطالب اللبنانيين، لكن الدولة التي نأمل أن تقوم بعد تسلمها سلاح “حزب الله” – ولن تقوم بدون ذلك – مدعوة الى مقاربة حقوق الفلسطينيين بواقعية بلا أوهام “حق العودة” و”جريمة التوطين” وبلا التأثر بأصوات عنصرية وطائفية من هنا وهناك. وربما من أهم مهماتها أن تحضَّ الدول العربية المزدهرة على تكثيف استيراد العمالة الفلسطينية وتسهيل إقامة العائلات، وأن تقنع دول الهجرة العالمية التي تتبجح باحترام حقوق الإنسان بأن تفتح أبوابها وتتوزع قدر المستطاع مَن ضاق بهم لبنان وضاقت الدنيا بهم بعدما سلب الاحتلال أرضهم عنوة، فخاضوا أحلاماً دامية وصادرت العروبة الشعبوية وبعدها ملالي إيران وأذرعتهم قضيتهم فدُمِّر حلمُهم بالعودة وأملُ أهلهم بدولة على جزء يسير من التراب.
*نقلاً عن "جريدة الحرة"