هدايا الحجاج قديماً وحديثاً
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
من أطرف ما مر علي من مواكب الحجاج وما كانوا يصطحبونه معهم موكب جميلة الحمدانية الموصلية.. يقول ابن كثير ((حكي أن جميلة الموصلية بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان حجت سنة ست وثمانين وثلاثمائة فصارت تاريخا مذكورا. قيل إنها سقت أهل الموسم كلهم السويق بالطبرزد والثلج، واستصحبت البقول المزروعة في المراكن على الجمال، وأعدت خمسمائة راحلة للمنقطعين، ونثرت على الكعبة عشرة آلاف دينار، ولم تستصبح فيها وعندها إلا بشموع العنبر، وأعتقت ثلاثمائة عبد ومائتي جارية، وأغنت الفقراء والمجاورين.)) أما ما كانوا يستصحبونه حال عودتهم من الحج فالمشهور هو أعواد الأراك "المساويك" والنعال والنقل "المكسرات "
يقول عمرو بن حبان الضرير حين لم يهد إليه الحجاج شيئا:
كأنّ الحجيج الآن لم يقربوا منى ... ولم يحملوا منها سواكا ولا نعلا
أتونا فما جادوا بعود أراكــــــة ... ولا وضعوا في كف طفل لنا نقلا
((...قال عليّ بن الجَهم:
حَجّوا مواليكِ يا بُرهانُ واعتمروا ... وقد أتتكِ الهدايا من مَواليكِ
فأتحفيني مما أتحفوكِ بــــــــــــه ... ولا تكن تحفتي غير المَساويكِ
ولست أرضاه حتى ترسلين به ... مما جلا الثغر أو ما جال في فيكِ))
ذكر ابن كثير في أحداث سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ في ترجمة عبد الله ابن المبارك قال
((... كانَ إِذَا عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ عَزَمَ مِنْكُمْ عَلَى الْحَجِّ؟ فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ نَفَقَاتِهِمْ، وَيَكْتُبُ عَلَى كُلِّ صُرَّةٍ اسْمَ صَاحِبِهَا وَيَجْمَعُهَا فِي صُنْدُوقٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ فِي أَوْسَعِ مَا يَكُونُ مِنَ النَّفَقَاتِ وَالرُّكُوبِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَالتَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا قَضَوْا حَجَّتَهُمْ يَقُولُ لَهُمْ: هَلْ أَوْصَاكُمْ أَهْلُوكُمْ بِهَدِيَّةٍ؟ فَيَشْتَرِي لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا وَصَّاهُ أَهْلُهُ مِنَ الْهَدَايَا الْمَكِّيَّةِ وَالْيَمَنِيَّةِ وَغَيْرِهَا، فَإِذَا جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةَ اشْتَرَى لَهُمْ مِنْهَا الْهَدَايَا الْمَدَنِيَّةَ، فَإِذَا قَفَلُوا بَعَثَ مِنْ أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ إِلَى بُيُوتِهِمْ فَأُصْلِحَتْ وَبُيِّضَتْ أَبْوَابُهَا وَرُمِّمَ شَعَثُهَا، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى أَوْطَانِهِمْ عَمِلَ وَلِيمَةً بَعْدَ قُدُومِهِمْ وَدَعَاهُمْ فَأَكَلُوا وَكَسَاهُمْ، ثُمَّ دَعَا بِذَلِكَ الصُّنْدُوقِ فَفَتَحَهُ وَأَخْرَجَ مِنْهُ تِلْكَ الصُّرَرَ، ثُمَّ يُقْسِمُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ نَفَقَتَهُ الَّتِي عَلَيْهَا اسْمُهُ، فَيَأْخُذُونَهَا وَيَنْصَرِفُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَهُمْ شَاكِرُونَ نَاشِرُونَ لِوَاءَ الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ)).
أما هدايا الحجاج المحدثين فيقول الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته ((فإذا عاد الحُجّاج حملوا معهم الهدايا من مكّة والمدينة، وأكثر ما يحملونه معهم ماء زمزم في علب صغيرة من الصفيح محكَمة الإغلاق، وبعض تمر المدينة يأكلونه تبرّكاً به، وشيء من تراب المدينة في قطع على شكل كُمّثرى ملفوف بشرائط ضيّقة من القصب، كنّا نلعقه بألسنتنا لنتبرّك به. وكل ذلك -كما يعلم الجميع- لا أصل له في الشرع. ومن الهدايا التي كان يحملها الحجاج طاسات وكؤوس وأوانٍ من النحاس المنقوش نسمّيه في الشام «المَكّاوي» نسبة إلى مكّة، مع أنه لم يُصنَع فيها وإنما صنع كما أظن في الهند أو في غيرها، فلست أدري على التحقيق)).
وأنا أذكر هدايا الحجاج التي كنا نتلهف عليها وكانت مساويك ومسابيح وتلفزيون مكة وهو عبارة عن علبة صغيرة ننظر فيها من خلال عدسة مكبرة لصور مكة والمدينة والمشاعر والحجيج ومصاغ من الخرز والأساور الباكستانية المذهبة يفرحون بها البنات الصغيرات.