الهيمنة الأمريكية.. وخرافة السياسة الخارجية الانعزالية لترامب

نورة صالح المجيم
نورة صالح المجيم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

أصبح وصف سياسة ترامب الخارجية بالانعزالية شائعا بشكل متزايد على المستويين الأكاديمي والإعلامي، حتى غدت شبه حقيقة. ويرجع ذلك إلى نهجه الخارجي الحاد للغاية، والذي يتجسد في العداء الشديد للتعددية والعولمة والمنظمات الدولية، حيث انسحب من اليونسكو واعتمد تعريفات جمركية مرتفعة في ولايته الأولى والثانية. كذلك، المعارضة الشديدة لاستمرار دعم واشنطن القوي لحلفائها الرئيسيين، وللتحالفات الأمريكية الرئيسية بشكل عام، خاصة حلف الناتو، وكذلك المعارضة الشديدة للدور العسكري الأمريكي في الخارج والمغامرات العسكرية.
وقد رسخت هذه السياسات لدى أغلب المحللين حقيقة مفادها أن ترامب يعمل جاهدا على التخلي عن الهيمنة الأمريكية العالمية، أو بعبارة أخرى، ستؤدي هذه السياسات إلى مزيد من تراجع الهيمنة العالمية. في الواقع، للتحقق من صحة هذه الحقيقة، يجب علينا أولا فهم ما تعنيه الانعزالية الأمريكية بالضبط؟ ثانيا، التدقيق بعناية في سياسة ترامب الخارجية برمتها خلال ولايته الأولى والثانية.

تعني الانعزالية الأمريكية، تحديدا التي حكمت السياسة الخارجية الأمريكية قبل الحرب العالمية الثانية، عدم المشاركة في الساحة الدولية، وتحديدا عدم انخراط الولايات المتحدة في تحالفات عسكرية في أوروبا، والوضع الطبيعي النهائي هو الغياب التام للرغبة أو السعي للهيمنة العالمية.

ومن الصحيح أن العديد من سياسات ترامب تهدف إلى تقليص دور أمريكا أو مشاركتها في الساحة الدولية، إلا أن دراسة متأنية واقعية لسياسة ترامب الخارجية الشاملة تكشف أنها تهدف بشكل لا لبس فيه إلى الحفاظ على الهيمنة الأمريكية العالمية أو استدامتها.

في ولايته الأولى، تبنى سياسات عدائية للغاية تجاه الصين، بما في ذلك الدعم العسكري القوي لتايوان، ووسع الوجود العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والحقيقة أن سياساته تجاه الصين وحدها كافية للإشارة إلى أنه ليس انعزاليا، وأنه يسعى جاهدا للحفاظ على الهيمنة الأمريكية في مواجهة أخطر تهديد استراتيجي لها. علاوة على ذلك، تبنى نهجا صارما تجاه إيران، و«داعش» التي حاربها عسكريا في 2015، ولم ينسحب من حلف الناتو كما هدد، بل نجح في إجبار أعضائه على رفع حصتهم من ميزانية الحلف.

وفي بداية ولايته الثانية، تبنى، بالتوازي مع سياسات بدت انعزالية للغاية، على رأسها رفع التعريفات الجمركية إلى مستويات قياسية، سياسات مناقضة بالغة الغطرسة، مثل التهديد باحتلال بنما وغرينلاند وقطاع غزة، مع تعهده باتخاذ موقف حازم ضد الصين.

وإزاء هذا اللغط -أو الحيرة الواسعة- الذي أثارته سياسته الخارجية، جادل قلة من الخبراء في أن ترامب يتبنى في الواقع ما يسمى «نهج أو سياسة ضبط النفس»، ويقوض بالتبعية ما يسمى نهج «التدخلية الليبرالية». تعود جذور سياسة ضبط النفس إلى الرئيس «أندور جاكسون»، وهو نهج لم يترسخ في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث انتصر نهج التدخلية الليبرالية بعد الحرب العالمية الثانية، وسياسة ضبط النفس بعيدة كل البعد عن الانعزالية -بعكس ما هو شائع- لكنها أيضا مناهضة تماما للتدخلية الليبرالية. ويتبدى ذلك، من الإطار الحاكم لسياسة ضبط النفس، وهو الحفاظ على الهيمنة الأمريكية العالمية، لكن أنصارها يحددون مجموعة من القواعد والمرتكزات المختلفة للحفاظ على الهيمنة، من أبرزها: الحد من التدخل والانتشار العسكري الأمريكي الخارجي، أي في الأماكن غير الاستراتيجية لواشنطن، ودعم التحالفات التي تفيد المصالح الأمريكية فقط، ومشاركة حلفاء واشنطن عبء التحالفات، والكف عن التدخلات الخارجية بذريعة التدخل الإنساني، وعدم دعم التحول الديموقراطي وحقوق الإنسان عالمياً.

في الختام، تعكس جميع سياسات ترامب ضبط نفس جلي من أجل المحافظة على الهيمنة الأمريكية، ومعظم هذه السياسات تضع نصب أعينها معادلة التوازن مع الصين، فحتى التعريفات الجمركية الخيالية على الصين، التي أضرت بنظام التجارة الحرة، ترمي بصورة أساسية إلى إضعاف قوة الصين الاقتصادية على حساب أي اعتبارات أخرى.

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.