الطفيليون قديما وحديثا
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في عام 1989م انتدبت من جريدة الرياض لتغطية مهرجان مسرح في بغداد وكان أعضاء الوفود مقيمين في أكثر من فندق من فنادق الخمس نجوم، وكنا مقيمين في أحدها، ما أريد الكلام عنه هو موقفي الصعب حينما دخلت بوفيه الطعام وفي الممر إليها وجدت أحدهم بكامل هيئته الدالة على الوجاهة يبتسم لي وابتسمت له فتقرب مني وطلب مني بكل تهذب متقن "بونة وجبة" وكان معي بونتان فمنحته إحداهما. ودخل لتناول وجبته من البوفيه المفتوح وفي يوم آخر دعيت إلى وجبة غداء في فندق آخر من فنادق الضيافة من أحد الزملاء الصحافيين من الوفود وفي صالة الطعام وجدت نفس الشخص يتناول وجبته وانتبه لي وابتسم فابتسمت بل أكاد أن أجزم أن هذا الشخص قد سبق أن رأيته في أكثر من فندق واحترت في أمره إلى أن سألت عنه أحد الزملاء العراقيين فقال لي هذا طفيلي يتصيد المناسبات ويتابعها لكي يأكل أفخر الطعام مجانا، حيث تجده يلبس أفخم الثياب لكي يروج على ضحاياه وأنا أذكر أن أحد الطفيليين في الرياض قد قال لي إنه كثيرا ما دخل صالات الأفراح والولائم الملاح كواحد من المدعوين ولا يوجد من يسأل هل أنت مدعو أم لا بل آكل معهم من غير دعوة من غير أن أحرج من ذلك وصاحبي الطفيلي هذا مثله، مجموعة تتبع الأعراس والولائم لكي يتناولوا ما لذ وطاب من الطعام وقد سألته عن أحرج موقف مر به فقال أحرج موقف أنني مع صاحب لي دخلنا صالة أفراح وجلسنا وكأننا من أهل البيت وإذا بالأنظار تتجه نحونا وإذا العدد واضح ولم يسألنا أحد من أنتم تكرما ولطفا وإذا الوليمة "طعام نزالة" والجميع من الحضور يعرف الجميع.
وقد نقل لنا التراث الكثير من أخبارهم ودخل الكثير منهم كتب الأدب والطرائف ومن طريف ما مر علي وصاياهم يقول بنان: ((... أوصى بنان رجلًا، فَقَالَ: إِذَا دعيت إلى وليمة إِن شاء اللَّه فإياك ثُمَّ إياك أَن تتأخر إِلَى آخر الوقت، وتشاغل وتسترخي وتثاقل وتقول: الساعة، وإلى ساعة، وإيش فاتني؟ وبعد مَا جاء أحد، وَمَا لي أكون من السبق؟ وَلَمْ أكن أنا أول النَّاس؟ ومثل هَذَا وأشباهه؛ فيخطئ حظك، ويسيء اختبارك، ويضيع يومكً؛ وَهَذَا فعال الحمقى القليلي الحزم. وإذا دعاك صديق لَك فاستخر اللَّه، وكن من السبق وأول من يوافي؛ واقبل وصيتي، فإنك ترشد وتبين الصلاح إِن شاء اللَّه. اعلم أَنَّهُ لَيْسَ يجيء فِي أول الأوقات إلا جلة النَّاس وسراتهم: كاتب وبزاز وعطار وسراج وأنماطي ونحوهم؛ فقعودك مَعَ مثل هَؤُلاءِ فائدة، وأنت معهم آمن مطمئن مسرور، تسمع كُل حَدِيث حسن وخبر ظريف، وأنت ريح البدن، واسع الموضع، طيب المكان، قاعد مَعَ هَؤُلاءِ عَلَى أول مائدة؛ الزم هذه الطبقة لا يزايل سوادك بياضهم فتهلك، وأنت إن لن تربح لم تخسر؛ وقعودك عَلَى أول مائدة فِيهِ خصال كثيرة محمودة؛ اعلم يا مغفل أنك تأكل رؤوس القدور وكل شَيْء كثير، والقدور ملأى، والماء بارد والخباز نشيط ورب المنزل فرح مسرور وكل شَيْء من أمرك مستور موضعك واسع وأنت مَعَ قوم كأنهم الدنانير، أحيا من الأبكار يعقلون إيش يأكلون لا تخفى عَلَيْهِم طيب الأطعمة ولذيذ الأشربة فالأكل مَعَ هَؤُلاءِ غنيمة وسلامة وتتهنأ بكل شَيْء تأكل وتشرب، وإذا أسرعت فِي ذهابك فرجت عَن صاحب الوليمة بسرعتك، وَلَمْ تقلق قلبه وقضيت واجب حقه، وإن تأخرت أَوْ تكاسلت إِلَى آخر الوقت فَقَدْ عطبت وهلكت وضيعت وتوانيت، اعلم أنك تصادف الطعام باردًا وَهُوَ فضلات القدور والرقاق بقايا عجين قَدِ استعملوا الجيد، والماء سخنًا وصاحب الوليمة ضجر متبرم، فيحمك فِي ذَلِكَ الوقت فِي الاحتراق. واعلم يا أَخِي أَن آخر مائدة يضيق عَلَيْهِم الطعام ويقل؛ لأن حكم المائدة عشرة فيقعد ثلاثون ولا يقدر الرجل أَن يأكل من اللون أَكْثَر من لقمة لقلته وكثرة الأيدي عَلَيْهِ، فموضعك أضيق من جوفك، فَإِذَا قَالَ لَهُمْ صاحب الوليمة: قوموا! سارعوا إِلَى الخوان، فانبسطوا فِي ميدان المضغ، ورفعوا قناع الحشمة وألزقوا الأكتاف بالأكتاف كأنهم بنيان مرصوص، يأكلون ميمنة وميسرة وقلبًا وتدور أيديهم عَلَى الخوان شرقيًا وغربيًا، وتسمع للقوم فِي حلوقهم معممة وَذَلِكَ أَنَّهُ لا يقعد عَلَى آخر مائدة إلا ضعفى الجيران ومساكين المحلة والقوام، فَإِن كَانَ لَهُمْ جداء وحملان فليس يقدم- يَعْنِي إليهم- إلا شرها؛ يقدم الجدي أضلاع بلا لحم فوقه جلد وحوله خس وهندبا، كَأَنَّهُ كوخ ناطور قَدْ وقع خشبه وبقي القصب قائمًا، فإيش يَكُون حال من يَكُون لَهُ أدنى مروءة مَعَ هَؤُلاءِ؟ لا يأكل قليلًا ولا كثيرًا فيقوم من الخوان وفؤاده أخلى من فؤاد أم موسى جايع نايع مَا مَعَهُ من العرس إلا شم الطعام وتمشيش العظام، وإنما شرحت لَك لتفهم. واعلم أني قَدْ نصحتك غاية النصيحة، وبينت لَك مَا بَيْنَ سُفْيَان الثَّوْرِي فِي جامعه فافهم تعلم، وتعلم بأدب متعك اللَّه بسعة الصدر، وطيب الأكل والصبر عَلَى المضغ, إنها دعوة مغفول عَنْهَا)).