منتدى الأمن الرباعي.. وتحديات المحيطيْن
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في وقت تكافح فيه المنظمات الدولية متعددة الأطراف لمواكبة التوترات الجيوسياسية والحروب والأزمات المتعددة، يبدو أن منتدى الأمن الرباعي هو إحدى المجموعات القليلة التي تحرز تقدماً ملحوظاً. يُعرف المنتدى باسم «الرباعية» أو «كواد»، ويتألف من الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند. وقد عُقد الاجتماع الثاني لوزراء خارجية مجموعة الرباعية في واشنطن في وقت مبكر من هذا الشهر، بمشاركة وزير الشؤون الخارجية الهندي «سوبرامنيام جايشانكار»، ووزير الخارجية الأميركي «ماركو روبيو»، ووزيرة الخارجية الأسترالية «بيني وونج»، ووزير الخارجية الياباني «تاكيشي إيوايا».
وكان الهدف من الاجتماع هو دفع أجندة «الرباعية» إلى الأمام في ظل حالة من عدم اليقين العالمي، واستكشاف مجالات تعاون جديدة بين الدول الأربع. وقد حدث ذلك بالفعل، حيث أعلن الوزراء بعد الاجتماع أنهم سيركزون على أربعة مجالات رئيسية، واصفين إياها بـ «أجندة جديدة وطموحة وقوية». وهذه المجالات الأربعة هي: «تعميق التعاون في الأمن البحري والأمن العابر للحدود»، و«الازدهار الاقتصادي والأمن»، و«التكنولوجيا الحيوية والناشئة»، و«المساعدات الإنسانية والاستجابة للطوارئ».
والواقع أن الدول الأربع كانت تركز بالفعل على هذه المجالات، لكن هناك تركيزاً متجدداً الآن على هذه القضايا الأساسية. ففي إطار الأمن البحري، قررت المجموعة إطلاق «شراكة موانئ المستقبل الرباعية» رسمياً، من خلال عقد مؤتمر للنقل واللوجستيات مع شركاء من منطقة الهند والمحيط الهادئ في مومباي في أكتوبر 2025.
ويهدف المؤتمر إلى تعزيز المعرفة، وتسهيل الحوار، وتبادل الخبرات حول الممارسات المتقدمة في الموانئ واللوجستيات. ومن خلال هذا التركيز المتجدد، تهدف المجموعة إلى تعزيز قدرتها على تسخير مواردها للتعامل مع أكثر التحديات إلحاحاً في المنطقة.
وقد أشار بيان صادر بعد اجتماع وزراء الخارجية إلى أن الديمقراطيات الأربع ملتزمة بتعميق تعاونها، دعماً لمنطقة حرة ومفتوحة في منطقة المحيط الهادئ والهندي، وضمان أن يكون لذلك تأثير دائم على تحديات وفرص المنطقة في القرن 21. كما أطلق وزراء الخارجية مبادرة «الرباعية للمعادن الأساسية»، وأشاروا إلى أن الاعتماد على دولة واحدة فقط في عمليات معالجة وتكرير المعادن الحيوية وإنتاج مشتقاتها «يعرّض الصناعات للإكراه الاقتصادي، والتلاعب بالأسعار، واضطرابات سلاسل الإمداد، مما يضر بالأمن الاقتصادي والوطني».
ويُعد التعاون في مجال المعادن الأساسية أمراً بالغ الأهمية مع توجه الدول نحو تقنيات أكثر مراعاةً للبيئة، والتي تعتمد جميعها على المعادن الأساسية. وقد أصبحت «الرباعية» صوتاً مهماً في الشؤون العالمية، نظراً لأنها تمثل أربع ديمقراطيات بارزة. علماً أن المجموعة واجهت مساراً متعثراً في بداياتها، إذ اجتمعت الدول الأربع لأول مرة في عام 2004 لتقديم الإغاثة بعد كارثة تسونامي المدمرة في ذلك العام، لكنها لم تعقد أول قمة رسمية لها إلا في عام 2021. ومنذ ذلك الحين، قطعت الدول الأربع شوطاً طويلاً، حتى وإنْ كانت خطواتها متواضعة على طول الطريق. وقد عملت «الرباعية» بشكل مشترك في العديد من المجالات، حيث تتنوع أجندتها بين السعي لإيجاد علاج لسرطان عنق الرحم وتعميق التعاون في مجال الأمن السيبراني.
وكان التركيز الأساسي لدول الرباعية على تعزيز الأمن البحري الإقليمي من خلال مبادرات مثل «مبادرة التدريب البحري» في منطقة الهند والمحيط الهادئ و«شراكة المحيط الهادئ والهندي للتوعية بالمجال البحري». وقد ساهم ذلك في تعزيز الأمن في منطقة المحيط الهادئ والهندي، وهو أمر ذو قيمة ليس فقط لدول التحالف الرباعي الأربع، بل لعدد كبير من الدول الأخرى أيضاً. كما سعى «التحالف الرباعي» أيضاً إلى تعزيز حضوره في مجالات أخرى، مثل بناء المنافع العامة في مجال البنية التحتية. وتم إنشاء «شراكة الاستثمار وتطوير البنية التحتية الرباعية» لجذب الاستثمارات والخبرات لدعم مشاريع البنية التحتية في جميع أنحاء منطقة المحيط الهادئ والهندي.
وتُعد البنية التحتية التي حددتها المجموعة عاملاً رئيسياً للنمو في المنطقة، وتهدف إلى تعزيز التنمية المستدامة. وقد أظهرت المجموعة أيضاً أنها ليست تحالفاً أمنياً، وليست «ناتو آسيويا» كما وصفها البعض في البداية. وبدلاً من ذلك، ظل تركيز المجموعة منصبّاً على المجالات التي يمكن أن تعزز التعاون متعدد الأطراف في مختلف المجالات.
في المستقبل، من الواضح أن التركيز سينصبّ بشكل كبير على التحالف الرباعي ونظرة القيادة الأميركية إليه، نظراً لتصريح الرئيس دونالد ترامب الذي أوضح فيه صراحةً بأنه لا يُولي أهمية كبيرة للمنتديات متعددة الأطراف. إلا أن الهند تُؤيّد «الرباعي» وتدعمه تماماً، وهي حريصة على تعميق روابطها من خلاله. وقد أوضح وزير الشؤون الخارجية الهندي جايشانكار، أن «الرباعي الأكثر تركيزاً» سيُسهم في «تقديم أداء أفضل». كما أكد في الوقت نفسه التزام الهند بالنظام الدولي القائم على القواعد و«منطقة المحيط الهادئ والهندي الحرة والمفتوحة».
*نقلاً عن "الاتحاد"