الحادث الذي أسقط طائرتين!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في مايو 1979 كنت قد وصلت إلى نيويورك مع العائلة، وكنا قد حجزنا لعلاج قريب معنا في مستشفى سان سيم كلينيك في سانت باريرا في كاليفورنيا، وهو المصح الذي كان يتعالج به، آنذاك، الرئيس ريغان، وقد أخذت عنوانه من العم المرحوم عبداللطيف الثنيان، الذي كان يقوم بعمل الفحوصات فيه، سقطت آنذاك طائرة DC-10 عقب إقلاعها بعد أن انفصل المحرك، فتم مؤقتاً إيقاف جميع رحلات ذلك الطراز، مما ألغى رحلتنا، فقمت بتأجير سيارة أميركية فارهة جديدة مع عداد مفتوح، قدتها من الساحل للساحل، وعالجنا قريبنا الطفل، آنذاك، الذي أصبح لاحقاً من أكبر الأطباء المختصين بالخليج في المرض الذي كان يعالج منه، وأكملنا رحلتنا من الغرب إلى الجنوب ثم الشمال، وكانت رحلة عمر...
***
في سبتمبر 1982 كنت أقود سيارتي رفقة ابني من منزلي في الجنوب الأسباني، على الطريق الذي يربط مدن ساحل الشمس، وعند اقترابنا من مطار مالقا الدولي مرت أمامنا على الطريق السريع طائرة DC-10 الضخمة، التابعة لشركة SPANTAX رحلة رقم 995، وكانت تحمل، كما أتى في التقارير اللاحقة، 394 راكباً في طريقهم إلى نيويورك، واصطدمت أمامنا وهي في مرحلة الإقلاع بعدة سيارات، وتخطت الطريق وتوقفت محترقةً على أحد الحقول، وشهدنا احتراق الطائرة ومغادرة الركاب الأحياء لها، وقمت بتصوير ذلك الحادث، ومازلت أحتفظ بالصور، والذي نتج عنه 50 قتيلاً و110 جرحى.. فما الذي جرى؟!
***
آخر محطة:
1- في أكتوبر 1984 كنت أرأس لجنة سلامة دولية في لشبونة بالبرتغال، ولاحظت أن أحد أعضائها هو رئيس تحقيق حوادث الطيران، ومقره إشبيلية وهو الذي حقق في الحادثة التي شهدتها قبل عامين، فسألته عن سبب الحادث، وكانت الإجابة مذهلة وتدل على مدى تعقيد العقل البشري وصعوبة عمل الطيار الذي عليه أن يتخذ القرارات المصيرية خلال ثوانٍ أو جزء منها.
ما حدث هو أن الطيارة في إقلاعها قد تخطت السرعة الحرجة (V1) والمقدرة بـ 162 ميلاً ووصلت لسرعة 177 ميلاً وبدأت بالإقلاع، وتنص القوانين والأنظمة ألا تحاول إيقاف الطائرة بعد تخطي السرعة الحرجة، حيث لن يبقى من الممر ما يكفي للإيقاف، مع الإقلاع انفجر أحد الإطارين الأماميين الواقعين تحت كابينة القيادة، فتسبب الانفجار باهتزازات قوية، وهو أمر طبيعي، ويمكن للطائرة وبسهولة أن تواصل الرحلة إلى نيويورك وتنزل بسلام مستخدمةً الإطار المتبقي.
2- ما حدث كما أخبرني رئيس التحقيق الإسباني هو أنه في تلك الثواني القليلة ذهب فكر الكابتن لما حصل في شيكاغو لنفس الطائرة، واعتقد أن المحرك انفصل عن الطائرة، وأنها ستسقط من الجو، لذا قرر العودة للأرض ولم يكن هناك ما يكفي من الممر لإيقاف الطائرة، وقد تفهم المحققون، ومنهم ممثلو NTSB الأميركية ظروف الطيار، ولم يتم لومه، بل تم لوم صيانة العجلات لسوء حال الإطار، كما تم لوم صيانة المحركات في حادث شيكاغو، وتم طلب إضافة التدريب أثناء الإقلاع ليس فقط على عطل المحرك، بل الأعطال الأخرى التي يمكن أن تحدث كحال انفجار الإطارات.
نقلا عن "النهار"