ثمن أغلى لقمة طعام!

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

أقف مبهوراً أمام قدريات الحياة بإرادة الله! ولا يمكن أن أنسى جارنا الرجل المُسن العاشق لصوت المقرئ، عبدالباسط عبدالصمد، حين تزوّج ولده الأكبر تمنّى عليه أن يُسمّي ولده البكر عبدالباسط، لكي يحفظ القرآن ويُرتّله بطريقة تشبه طريقة الشيخ عبدالباسط في الترتيل. وفعلاً جاء الطفل الحفيد، وسُمّي عبدالباسط، لكن شاءت إرادة الله أن يكون أخرس لا ينطق بكلمة!
ولقد استوقفني كثيراً ما حدث للخطاط المبدع الصديق حسن المسعودي، الذي اشتهر بخطوط لوحاته التشكيلية الفنية الآسرة. وبحكم علاقتنا كنت أزوره في مرسمه في مدينة باريس، حيث تفضّل برسم شعار «الملتقى الثقافي»، لكني صُعقت حين اتصلت به بعد فترة ليخبرني بصوتٍ ضعيف أنه أُصيب بمرض نادر في أوتار وأعصاب يده، وأنه ما عاد يستطيع الإمساك بالقلم وتحريك أصابعه، ولا حتى كتابة اسمه! حينها دار ببالي: كيف يمتحن الله الإنسان في أعز ما يملك! وهذا يشابه ما آل إليه صوت الصديق العزيز الفنان عبدالله رويشد، الذي أتمنى والكثير.. الكثير.. من جمهوره المحب، على طول وعرض الوطن العربي، أن يمنَّ الله عليه بالشفاء، وأن يعود يصدح بصوته مُطرباً طالما رددت خفقات قلوبنا كلماته!

هي الحياة، انعطافاتها قد تكون حادة وغير متوقّعة، وليس لنا إلا معايشتها سواء وقعت علينا أو على الآخر. فلقد لفتني خبر خلال الأسبوع الماضي، تناقلته منصات التواصل الاجتماعي باستغاثة ممثلة الصف الأول المصرية نبيلة عبيد: «هيطردوني من شقتي!»، وهي الممثلة العربية التي طالما ظهرت كامرأة حديدية في أفلامها، كما أنني أعلم أنها كانت «تلعب بالفلوس»، ولا تتردد أبداً بمساعدة من يقصدها أو يلجأ إليها! وربما الأمر نفسه ينسحب على ما آل إليه حال الممثل والمنتج الأمريكي الأشهر «بروس ويلس-Bruce Willis» الذي ظهر في أكثر من ستين فيلماً في هوليوود، كأكثر ما يكون توقداً ونشاطاً، لكنه أصيب بمرض الحبسة الكلامية وهي اضطراب دماغي يؤثر في التواصل بسبب مشاكل إدراكية. ليتحول فيما بعد إلى الخرف الجبهي الصدغي «FTD»، لكن الطريف أن هذا المرض أدخل شيئاً من السرور لنفسية بروس، حيث خفف عنه شعوره بالضيق من ملاحقة الناس إليه حينما يكون في مكان عام، فالآن وبسبب مرضه لا يدرك من يكون، ولا يمانع بأن يسلم عليه العابرون من المعجبين!

إن التمعّن في أهم ما وفّرته مواقع الانترنت ومنصات شبكات التواصل الاجتماعي، يُظهر تنوّع الأخبار وسيل تدفّقها على مدار اللحظة، ولقد مرَّ أمامي قبل أيام، خبر قيام شركة سيارات ألمانية شهيرة بإعدام مئات السيارات الجديدة التي لم تُبع في الوقت المحدد بتكلفة قد تصل إلى الملايين، وذلك حفاظاً على قيمة العلامة التجارية ومنع انخفاض الأسعار في الأسواق. جاء هذا الخبر إلى جانب صور المجاعة الكبرى التي يشهدها عصرنا ويقترفها الكيان الصهيوني الوحشي بحق أهالي غزة، وكيف تفشّى الجوع بين الأطفال حتى وصل إلى موت بعضهم جوعاً، وكم يبدو دالاً ومؤثّراً حديثٌ عابر بين طفل غزّاوي ووالده حين سأل الطفل أباه: «هل يوجد طعام في الجنة؟!».

ووسط استغراب الأب لسؤال طفله ردّ قائلاً: «في الجنة يوجد كل شيء، وأطيب الأطعمة».

وهنا نطق الطفل بجملته المزلزلة: «إذن أفضل لي أن أموت كي أذهب إلى الجنة وأتناول أطيب الطعام».

أرعبتني جملة الطفل، كاشفةً عذاباته وشقاءه بجوعه ومن حوله، حتى أنه تمنّى الموت ثمناً للقمة طعام!

مؤلمة حرب غزة، وأكثر ما يُخيف فيها أنها فاغرة فمها دون أن تظهر لها نهاية قريبة!

*نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط