إيران وأذربيجان.. عندما تعلو المصالح فوق كل اعتبار

نورة صالح المجيم
نورة صالح المجيم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

تمثل العلاقات الإيرانية - الأذربيجانية مرآه عاكسة لعمق تغلّب المصلحة الوطنية على أية اعتبارات أخرى في السياسة الدولية. وربما لا يعلم الكثيرون أن أذربيجان ثاني أكبر دولة في العالم ذات أغلبية شيعية بعد إيران بالطبع، إذ يدين أكثر من %85 من شعبها بالمذهب الشيعي. ومن ثم، فمن البديهي، أو قد يتبدى من الوهلة الأولى أن البلدين يرتبطان بعلاقات تحالف وليس علاقات ودية عادية، لاسيما أنهما جاران، وهناك تداخل تاريخي وثقافي واسع بينهما، لكن الواقع أن العلاقات بينهما تتسم بالعداء والصراع الشديد في واحدة من أكثر مفارقات السياسة الدولية غرابة.
العداء بين البلدين قديم ذو جذور وأبعاد متعددة ومتشابكة، إذ هناك بعد قومي، وديني، واقتصادي، وجيوسياسي. وقد كان ذلك مقبولاً، حيث يمكن التعايش بين الدول عموماً في ظل أوجه خلافات متعددة، لكن ما أجج العداء الشديد بين البلدين، هو سعي إيران المستمر للهيمنة على أذربيجان، أي تحويلها إلى دولة تابعة، باعتبار أن إيران مركز العالم الشيعي، والثاني هو الصراع على تقسيم موارد الطاقة في بحر قزوين، إذ تطالب إيران بتقسيم متساوٍ في البحر، يأتي على حساب مصالح أذربيجان التاريخية.

هنا يتبدى بوضوح أن اعتبارات المصالح هي الحاكمة تماماً لتعاطي إيران تجاه أذربيجان، فحتى الاعتبار الأيديولوجي الذي تستخدمه إيران بصورة مختلفة في أذربيجان، مثل بناء شبكة علاقات مع رجال الدين الموالين لها، أو دعم مراكز شيعية محددة؛ ما هو إلا أداة للهيمنة يخفي مصالح إيران الجيوسياسية، سواء في مواجهة تركيا وروسيا، أو تقويض النزعة الانفصالية الأذرية في إيران، وعددهم يتجاوز 15 مليون، ويتحدثون اللغة الأذرية، أو تأمين حدودها الشمالية.

والأمر نفسه ينطبق على أذربيجان، فبالرغم من أنها أغلبية شيعية، فإنها نظام علماني متجذّر بعمق في البلاد معادٍ بشدة لنظام ولاية الفقيه، كما يعتبر الأذريون أنفسهم قومية ثقافية خاصة مستقلة عن إيران، وتركيا أيضاً الأقرب إلى أذربيجان قومياً وثقافياً ولغوياً، ودائماً ما يكون للأذريين، شعباً وحكومة، تطلعات وطموحات بلعب دور قوي في آسيا الوسطى، إذ تدعو أحزاب قومية في البلاد إلى «أذربيجان الكبرى»، تضم كل الآذريين في آسيا الوسطى وتركيا وحتى إيران، علاوة على ذلك، تتنازع البلاد على حدود إقليمية معقدة مع أرمنيا.

الشاهد في الأمر، أن تصادم المصالح العنيف بين البلدين، قد حوّل إيران إلى أكبر تهديد وعدو لأذربيجان، وفي المقابل، تحولت الأخيرة إلى شوكة خطيرة في خاصرة إيران الشمالية. ويتبدى ذلك من كم المفارقات العجيبة في مسار الخلافات بينهما خلال الأعوام القليلة الماضية.

وسنكتفي في المقالة بذكر حدثين رئيسيين: أولهما الحرب بين أذربيجان وأرمنيا في 2020 حول «مرتفعات ناغورنو كاراباخ». والحقيقة أن هذه الحرب قد أظهرت بجلاء محدد المصلحة الوطنية الحاكم الأول لسياسة الدول، إذ قد تبدت المفارقة العجيبة في دعم إيران القوي لأرمنيا المسيحية الأرثوذكسية ضد أذربيجان الشيعية، وذلك تأكيداً بأن غطاء إيران الأيديولوجي يستخدم وقت الحاجة فقط لدعم مصالح جيوسياسية، كما دعمت روسيا «الأرثوذكسية» ضمنياً الأخيرة في مفاجأة أخرى، هذا بخلاف دعم إسرائيل القوي لأذربيجان، والذي كان عاملاً حاسماً لانتصار أذربيجان في الحرب أو في إحدى جولاتها.

والثاني وهو الأخطر على الإطلاق، دور أذربيجان الحاسم في الحرب الإيرانية - الإسرائيلية الأخيرة. إذ وفقاً للمراقبين، واستناداً إلى حقائق دامغة، ساهمت أذربيجان بنسبة تتجاوز %70 في الانتصارات، التي حققتها إسرائيل في الحرب، فحدود أذربيجان الشمالية كانت الممر الرئيس لعبور جواسيس وضباط إسرائيل والمسيرات والدعم اللوجستي داخل العمق الإيراني، والفرار من خلالها أيضاً. علاوة على ذلك، تشير الكثير من التقارير الموثوقة إلى استخدام إسرائيل لأراضي وقواعد أذربيجان لأغراض متعددة، منها التزود بالوقود، أو لمراقبة إيران، كما تستخدم بنيتها الإلكترونية للمراقبة والحرب السيبرانية ضد إيران.

*نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.