السعودية وقيادة التحول العربي: من مبادرة السلام إلى تمكين الحق الفلسطيني
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لعقود طويلة عانى الشرق الأوسط من تداعيات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي لم يكن مجرد نزاع حدودي بين طرفين، بل تحوّل إلى شرارة أشعلت موجات من الحروب والانقسامات امتدت إلى مختلف أرجاء المنطقة.
وباسم القضية، دخلت دول وشعوب في أتون صراعات مدمّرة، واضطرابات سياسية أنهكت المجتمعات، وزعزعت الاستقرار، حتى أصبحت معاناة المنطقة من هذا الصراع تفوق تأثيره المباشر على أطرافه الأصلية.
ومع تطور النزاع، نشأت حركات وتيارات تسعى لتحرير فلسطين، قليل منها التزم بسياق المقاومة المشروعة والتحرر الوطني، وكثير منها استغل القضية لتبرير الأعمال الإرهابية التي خلخلت الأمن في المنطقة ، وزادت من تعقيد المشهد الإقليمي. وتحولت القضية إلى أرضًا خصبة للتجاذبات والمزايدات والشعارات، وباتت شماعة تُستغل دائما من قبل دول إقليمية وجماعات متطرفة لتحقيق نفوذ لا علاقة له بحقوق الفلسطينيين ولا بمصالح شعوب المنطقة.
وفي لحظة فارقة من تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أطلقت المملكة العربية السعودية قطار الدبلوماسية للاعتراف بدولة فلسطين رافعة شعار لا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة. هذه الرسالة لم تكن هامشية أو خلفية في مؤتمر الأمم المتحدة يومي 28 و29 يوليو 2025، بل كانت العنوان العريض الذي قاد الحوارات والمواقف داخل قاعات نيويورك السياسية.
وعلى مدار اليومين الماضيين، شاركت المملكة في رئاسة مؤتمر دولي غير مسبوق إلى جانب فرنسا، استنادًا إلى قراري الجمعية العامة ES-10/24 و79/81،
بهدف صياغة مسار عملي يُفضي إلى إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة تعيش إلى جانب إسرائيل بسلام وأمان. وكالعادة كانت السعودية أكثر من مجرد راعية للمؤتمر بل كانت صاحبة الرؤية، واللاعب الذي وضع الشروط الأخلاقية قبل التطبيع، والممول الذي يدفع بلا تردد لتثبيت الحقوق الفلسطينية.
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان لم يكتف بالمصافحات الدبلوماسية أو كلمات المجاملة. بل انتزع اهتمام الوفود بكلمة افتتاحية حاسمة: "يجب أن نضمن ألا يصبح هذا المؤتمر مجرد تدريب آخر على الخطاب ذي النوايا الحسنة" وطالب بخارطة طريق فعلية، لا رمزية، تؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية مع ضمان أمن إسرائيل في موقف يعكس قدرة المملكة على إمساك العصا من المنتصف دون التفريط بالمبادئ.
وضمن المؤتمر، أعلنت المملكة سعيها للحصول على موافقة البنك الدولي لتحويل 300 مليون دولار لدعم الجهود الإنسانية في غزة والضفة الغربية، في خطوة تعزز نهجها العملي. لكن الصورة أشمل بكثير: فالسعودية قدمت أكثر من 5.2 مليار دولار منذ عام 1999 دعماً متنوعاً للشعب الفلسطيني، من مشاريع تنموية وصحية وتعليمية، إلى تمويل شهري للسلطة الفلسطينية وصل إلى 100 مليون ريال شهرياً في بعض الفترات، إضافة إلى 500 مليون دولار لوكالة الأونروا. هذه الأرقام لا تُقرأ فقط كدعم مالي، بل كمؤشر على التزام تاريخي لا تهزه التحولات السياسية.
ووسط موجة تطبيع إقليمي برز موقف المملكة العربية السعودية كاستثناء نادر: لا تطبيع دون دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وأكد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بشكل واضح أن القضية الفلسطينية لا تزال على رأس أولويات المملكة، وأن العدالة أولًا للفلسطينيين، نظراً لأنها تعالج جوهر الصراع في المنطقة من جذوره وتقضي على مبررات التطرف والجماعات الإرهابية التي جعلت من القضية الفلسطينية شماعة لهذه الأفكار والجماعات.
وفي الحقيقة، برز ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كزعيم إقليمي موثوق يقود تحولًا استراتيجيًا في طريقة التعاطي مع قضايا الشرق الأوسط، وعلى رأسها القضية الفلسطينية ، بعد عقود من التشتت العربي في المواقف والمقاربات. وجاءت رؤيته لتُعيد ترتيب الأولويات، وتُحوّل الدعم العاطفي إلى عمل دبلوماسي منظم ومؤثر. ولم تكتف بإدانة الاحتلال أو تقديم الدعم المالي، بل بادرت إلى صياغة استراتيجية واضحة لحل الدولتين، وربطت أي تطبيع مع إسرائيل بتحقيق العدالة للفلسطينيين.
التعاون مع فرنسا لم يكن بروتوكوليًا، بل كان محوريًا في إنجاح المؤتمر الذي تأجل سابقًا بسبب التصعيد الإقليمي. وبحسب المصادر فقد عمل الطرفان منذ أبريل 2025 على صياغة أجندة دقيقة، شملت جلسات عامة وموائد مستديرة تناولت القضايا الأمنية والاقتصادية والإنسانية المتصلة بالدولة الفلسطينية المنتظرة.
وفور إعلان فرنسا الاعتراف بدولة فلسطين في سبتمبر القادم، رحبت السعودية بهذا الموقف في خطوة أرسلت إشارات واضحة لعواصم غربية أخرى: لستم وحدكم في الحسابات، المملكة ترفع سقف الدبلوماسية من أجل فلسطين واستقرار المنطقة، وتدفع باتجاه إجماع دولي جديد. وهو موقف التقطته بريطانيا سريعا معلنة عزمها الاعتراف بدولة فلسطين.
ومن المتوقع أن تخرج وثيقة من المؤتمر بعنوان "التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين" تتضمن إجراءات عملية وخطوات محددة زمنياً، مدفوعة بالرؤية السعودية وقيادتها الجريئة لهذا التحول الدبلوماسي.
لقد كانت الرسالة السعودية للمجتمع الدولي واضحة من قلب نيويورك : لا مستقبل للمنطقة واستقرارها دون عدالة للفلسطينيين، والسعودية هذه المرة لا تنتظر الإجماع، بل تقوده.