درس متقن في فنّ الدبلوماسية

علي الشهابي
علي الشهابي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

على مدى الثمانية عشر شهراً الماضية، قدّمت الرياض درساً متقناً في الدبلوماسية أعاد بهدوء تشكيل طريقة تعاطي العواصم الغربية مع الملفّ الفلسطيني. فبقيادة صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وبحضور دبلوماسي مباشر من وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، انتهجت المملكة نهجاً براغماتياً صارماً: المظلّة الاستراتيجية التي توفرها واشنطن لإسرائيل لن تنهار بخطابات حماسية ولا بعواصف وسائل التواصل الاجتماعي. وبدلاً من إهدار الجهد على الاستعراض، اختارت السعودية مساراً تراكمياً صبوراً—تنقض فيه شيئاً فشيئاً من هالة “الشرعية الغربية السهلة” التي تحيط بإسرائيل إلى أن تبدأ الحسابات السياسية داخل عواصم مجموعة السبع في الميلان. قد يبدو الإيقاع بطيئاً لمَن يستعجل النتائج، لكنه في عالم يكافئ الإصرار أكثر من الضجيج هو السبيل لبناء نفوذ حقيقي.

سرّ هذه المقاربة فهمٌ واعٍ للحدود مقرونٌ باستخدام دقيق لأدوات الضغط المتاحة. المملكة لا تزعم أنها قادرة على ليّ ذراع قوة عظمى؛ بل تضبط أسواق النفط وتبتعد عن استعراض القوة العسكرية—وهو انضباط يفتح لها أبواب الوزارات والبرلمانات وغرف مجالس الإدارة التي تصوغ سياسات إسرائيل. مَن يفسّر هذا الانضباط على أنه تردّد يخطئ؛ فحكمة التجربة أثبتت أنّ “التناسب”، لا الاستفزاز، هو ما يورث نتائج تدوم.

بدأ بناء الائتلاف من باريس؛ إذ وجدت فرنسا، الباحثة عن دور أكبر في الشرق الأوسط، ثقلها الإقليمي في السعودية. ثم لحقت لندن انسجاماً مع غضب ناخبيها من حرب غزة، وأعقبتها أوتاوا كي لا تبقى وحيدة في مجموعة السبع. قد يبدو الاعتراف بفلسطين عملاً رمزياً، غير أنّ الرمزية هي ذاتها الأساس الذي استندت إليه إسرائيل لترسيخ صورتها كديمقراطية غربية طبيعية. وكل تصدّع في تلك الصورة يرفع الكلفة المعنوية للاحتلال ويغرسها في صميم حسابات الأمن الإسرائيلي.

ويتجلّى هذا الزخم الهادئ في استطلاعات الرأي: فالدعم الأميركي لعمليات إسرائيل في غزة تراجع بشكل حاد، خصوصاً لدى مَن هم دون الأربعين عاماً. والديموغرافيا قدرٌ لا يُقاوَم. هكذا تلعب الرياض لعبة النفس الطويل—راهنة على الزمن لا على نوبات الغضب، لتهتك الخيوط القديمة التي كانت تربط واشنطن بإجماع غير مشروط. هذا التآكل بات واضحاً في الجامعات، وفي برلمانات الولايات، وفي مجالس إدارة الشركات المنشغلة بمعايير الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية.

أكد ولي العهد موقف المملكة بلا مواربة في خطابه أمام مجلس الشورى: لا اعتراف بإسرائيل من دون دولة فلسطينية قابلة للحياة. هذا ليس إحياءً لمغامرات نفطية على غرار 1973—فمثل تلك المغامرات اليوم لن تفعل سوى تسريع تنويع الغرب مصادره وخفض عوائد العرب. بل إن الرياض تُبقي الأسواق مستقرة وتجمّد اندماج إسرائيل الإقليمي إلى أن تنخرط جدياً في حلّ الدولتين؛ فتُطمئن المستهلكين العالميين وتُبقي تل أبيب في حالة من القلق الحسابي.

ويبقى وعد التطبيع مطروحاً—لكن خلف بوابة حلّ الدولتين. فبعد أن فتحت “اتفاقيات أبراهام” الطريق السهل أمام إسرائيل إلى الخليج، أعادت السعودية رسم الخريطة: رؤوس الأموال السيادية، وصلات البحر الأحمر، والشراكات التقنية المتقدمة كلها في المتناول—لكن بعد التسوية. بذلك ينتقل العبء إلى إسرائيل: عليها أن تفسّر لمواطنيها لماذا ينبغي للأيديولوجيا أن تمنع فرصة تاريخية للتحوّل من دولة محصنة عسكريا إلى لاعب إقليمي طبيعي. وعندما تتقاطع المصلحة الاقتصادية مع الضرورة الاستراتيجية، تنكسر الأيديولوجيا عاجلاً أم آجلاً.

وكان من أبرز المنعطفات إعلان السعودية ودول عربية أخرى ضرورة نزع سلاح حماس وتسلّم السلطة الفلسطينية إدارة غزة. خطوة حاسمة نزعت من إسرائيل ذريعة “لا شريك للسلام”، وقطعت الطريق على استمرار الحملة العسكرية بحجة الدفاع عن النفس، وأعادت تأكيد المطالب الدولية بإنهاء الاحتلال والانتقال إلى حلّ سياسي.

أما الأصوات العربية والإسلامية التي تنادي بالمقاطعة أو الحصار أو الحرب، فإنها تُخطئ قراءة التاريخ واللحظة معاً. فالقوة اليوم تكمن في الضغط الذكي على نقاط الأعصاب لا في الشعارات المدوّية. الدبلوماسية السعودية دفعت الديمقراطيات الغربية—وهي النادي الأهم بالنسبة لإسرائيل—إلى إعادة النظر جدياً في فكرة الدولة الفلسطينية؛ إنجاز لم تحققه عقود من القمم والخطابات. وما ينبغي على العواصم العربية إلا تعزيز هذا النهج بدلاً من تبديد الجهد في استعراضات لا تسمن ولا تغني.

صحيح أنّ إسرائيل ما تزال تمتلك ورقة الفيتو الأميركي، لكن الفيتو عاجز عن وقف التحولات الديموغرافية في الولايات المتأرجحة، أو كبح ضغوط النواب البريطانيين الحريصين على ناخبيهم، أو تعطيل حسابات الشركات الأوروبية التي توازن بين الأرباح ومخاطر المقاطعة. وفي نهاية المطاف ستواجه إسرائيل اختياراً صارماً: حصارٌ دائم وعزلةٌ متنامية، أم تعايش مع جار فلسطيني ذي سيادة؟ المفاتيح اليوم في يد السعودية—الرافعة الدبلوماسية الحقيقية الباقية لرام الله.

في ساحات 2025—غرف المؤتمرات، مجالس الإدارة، فضاءات التواصل الاجتماعي—تتقدّم المملكة بهدوء واتساق وعلى إيقاعها الخاص. ولمن يقدِّر النتائج فوق المظاهر، لا يُعدّ هذا حذراً بل حكمة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط