بن عنق يشوي السمك في الشمس
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
من الأكاذيب التي حشي بها الكثير من كتب التفاسير والوعظ وقصص الأنبياء قصة "عوج بن عنق" وهو شخص حكي عنه الأعاجيب المتخيلة والمنقولة عن تراث الأمم أخرى ،وقد ورد عن الإمام السيوطي سؤال حول حقيقة هذه الأعجوبة فرد على السائل برسالة بين فيها حقيقة "عوج بن عنق" سمّاها " الْأَوْجُ فِي خَبَرِ عَوْجٍ".
وبعد أن ساق السيوطي السؤال قال في إجابته (( ... قَالَ الْعَلَّامَةُ شمس الدين ابن القيم فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى - بِالْمَنَارِ الْمُنِيفِ فِي الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ -: مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا كَوْنُ الْحَدِيثِ مَوْضُوعًا أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَقُومُ الشَّوَاهِدُ الصَّحِيحَةُ عَلَى بُطْلَانِهِ كَحَدِيثِ عوج بن عنق الطَّوِيلِ الَّذِي قَصَدَ وَاضِعُهُ الطَّعْنَ فِي أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُخْبِرُونَ عَلَى هَذِهِ الْأَخْبَارِ، فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ طُولَهُ كَانَ ثَلَاثَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَاثَمائَةٍ وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا، وَأَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا خَوَّفَهُ الْغَرَقَ قَالَ لَهُ: احْمِلْنِي فِي قَصْعَتِكَ هَذِهِ، وَأَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَصِلْ إِلَى كَعْبِهِ، وَأَنَّهُ خَاضَ الْبَحْرَ فَوَصَلَ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْحُوتَ مِنْ قَرَارِ الْبَحْرِ فَيَشْوِيهِ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، وَأَنَّهُ قَلَعَ صَخْرَةً عَظِيمَةً عَلَى قَدْرِ عَسْكَرِ مُوسَى وَأَرَادَ أَنْ يَرْصَعَهُمْ بِهَا فَقَوَّرَهَا اللَّهُ فِي عُنُقِهِ مِثْلَ الطَّوْقِ. وَلَيْسَ الْعَجَبُ مِنْ جُرْأَةِ مِثْلِ هَذَا الْكَذَّابِ عَلَى اللَّهِ، إِنَّمَا الْعَجَبُ مِمَّنْ يُدْخِلُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ مِنَ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يُبَيِّنُ أَمْرَهُ ...
وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الحافظ عماد الدين بن كثير فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ: قِصَّةُ عوج بن عنق وَجَمِيعُ مَا يَحْكُونَ عَنْهُ هَذَيَانٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَهُوَ مِنْ مُخْتَلَقَاتِ زَنَادِقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَكُنْ قَطُّ عَلَى عَهْدِ نُوحٍ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنَ الْغَرَقِ مِنَ الْكُفَّارِ أَحَدٌ.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ ابن المنذر فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابن عمرو قَالَ: طُولُ عوج ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ ذِرَاعٍ، وعوج رَجُلٌ مِنْ قَوْمِ عَادٍ يَغْدُو مَعَ الشَّمْسِ وَيَرُوحُ مَعَهَا. وَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ هَذَا فِي تَأْلِيفِهِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مِمَّا يَسْتَحِي الشَّخْصُ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى ابن عمرو لِضَعْفِهِ عَنْهُ قَالَ: وَرَدَّ ذَلِكَ آخَرُونَ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا ثُمَّ مَا زَالَ النَّاسُ يَنْقُصُونَ حَتَّى الْيَوْمَ» قَالَ: وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ عَلَى الْغَالِبِ وَالْأَكْثَرِ وَغَيْرُ مُنْكَرٍ أَنْ يَطُولَ الْأَوْلَادُ عَنْ آبَائِهِمْ. وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: عوج بن عنق بِضَمِّهِمَا رَجُلٌ وُلِدَ فِي مَنْزِلِ آدَمَ فَعَاشَ إِلَى زَمَنِ مُوسَى وَذَكَرَ مِنْ عِظَمِ خَلْقِهِ بَشَاعَةً...
عبد المنعم بن إدريس عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَكَرَ وهب بِأَنَّ عوج بن عنق كَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِهِنَّ وَأَجْمَلِهِنَّ، وَكَانَ عوج مِمَّنْ وُلِدَ فِي دَارِ آدَمَ وَكَانَ جَبَّارًا خَلَقَهُ اللَّهُ كَمَا شَاءَ أَنْ يَخْلُقَهُ، وَلَا يُوَصَفُ عِظَمًا وَطُولًا وَعُمْرًا فَعَمَّرَ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ طُولُهُ ثَمَانِمِائَةِ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهُ أَرْبَعَمِائَةِ ذِرَاعٍ حَتَّى أَدْرَكَ زَمَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ قَدْ سَأَلَ نُوحًا أَنْ يَحْمِلَهُ مَعَ السَّفِينَةِ فَقَالَ لَهُ نُوحٌ: لَمْ أُؤْمَرْ بِذَلِكَ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ اغْرُبْ عَنِّي فَكَانَ الْمَاءُ زَمَانَ الْغَرَقِ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَكَانَ يَتَنَاوَلُ الْحُوتَ مِنَ الْبَحْرِ فَيَرْفَعُهُ بِيَدِهِ فِي الْهَوَاءِ فَيُنْضِجُهُ بِحَرِّ الشَّمْسِ ثُمَّ يَأْكُلُهُ، وَكَانَ سَبَبُ هَلَاكِهِ أَنَّهُ طَلَعَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ فِي عَسْكَرِهِمْ فَحَزَرَهُ حَتَّى عَرَفَ قَدْرَهُ، وَكَانَ عَسْكَرُهُمْ فَرْسَخَيْنِ فِي فَرْسَخَيْنِ فَعَمَدَ إِلَى جَبَلٍ فَسَلَخَ مِنْهُ حَجَرًا عَلَى قَدْرِ الْعَسْكَرِ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ يُرِيدُ أَنْ يُطْبِقَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ هُدْهُدًا لِيُرِيَهُمْ قُدْرَتَهُ، فَأَقْبَلَ وَفِي مِنْقَارِهِ خَطٌّ مِنَ السَّامُورِ فَجَاءَهُ الْحَجَرُ عَلَى قَدْرِ رَأْسِ عوج وَهُوَ لَا يَدْرِي، ثُمَّ ضَرَبَ بِجَنَاحِهِ ضَرْبَةً فَوَقَعَ فِي عُنُقِهِ فَأُخْبِرَ مُوسَى خَبَرَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ الْعَصَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ مُوسَى حَمَلَ عَلَيْهِ فَكَانَ قَامَةُ مُوسَى وَبَسْطَتُهُ سَبْعَ أَذْرُعٍ، وَطُولُ الْعَصَا سَبْعَ أَذْرُعٍ، وَوَثْبَتُهُ إِلَى السَّمَاءِ سَبْعَ أَذْرُعٍ، فَضَرَبَهُ بِالْعَصَا أَسْفَلَ مِنْ كَعْبِهِ فَقَتَلَهُ فَمَكَثَ زَمَانًا بَيْنَ ظَهَرَانَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَيِّتًا.
قُلْتُ: هَذَا الْخَبَرُ بَاطِلٌ كَذِبٌ آفَتُهُ عبد المنعم بن إدريس. قَالَ الذهبي فِي الْمِيزَانِ: قَصَّاصٌ لَيْسَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ تَرَكَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَأَفْصَحَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ: كَانَ يَكْذِبُ عَلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ذَاهِبُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَضَعُ الْحَدِيثَ عَلَى أَبِيهِ وَعَلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الحافظ ابن حجر فِي اللِّسَانِ: نَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ إسماعيل بن عبد الكريم قَالَ: مَاتَ إدريس وعبد المنعم رَضِيعٌ. وَكَذَا قَالَ أحمد إِذَا سُئِلَ عَنْهُ: لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: كَذَّابٌ خَبِيثٌ. وَقَالَ الفلاس: مَتْرُوكٌ. وَقَالَ أبو زرعة: وَاهِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ: ذَاهِبُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ انْتَهَى. وَمَا رَأَيْتُهُمْ أَوْرَدُوا حَدِيثًا مِنْ رِوَايَتِهِ إِلَّا حَكَمُوا عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ. وَفِي كِتَابِ الْمَوْضُوعَاتِ لابن الجوزي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، بَلْ ذَكَرَ ابن الجوزي أَنَّ أَبَاهُ إدريس أَيْضًا مَتْرُوكٌ فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ بِالْكُلِّيَّةِ... اللَّهُ أَعْلَمُ.))