هل لتزييف التاريخ من آخِر؟!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مؤسف بحق أن يستغل أكاديمي كويتي مخضرم مناسبة غزو الكويت، ليثني على طارق عزيز ويبرئه من جريمة الغزو، فإما أنه يهرف بما لا يعرف ولا يقرأ الكتب والوثائق التي تدين بشدة وزير الخارجية العراقي، آنذاك، وإما أنه يعرف يقيناً بإدانته وأدواره الخطيرة في كل الخراب الذي أصاب العراق، حيث كان كحال المخرِّب هيكل مع عبدالناصر، أي أنه العقل والقيادي الجاهل بالمحفل الدولي والسياسة العالمية هو العضلات، لذا تصعب معرفة ما إذا كان هيكل صنيعة ناصر أو أن ناصر صنيعة هيكل، والحال كذلك هل طارق عزيز صنيعة صدام أم أن صدام الجاهل هو صنيعة طارق عزيز، فهيكل ورَّط عبدالناصر بحروب وهزائم 56، حرب اليمن وحرب 67، وعزيز ورط صدام في حروب وهزائم غزو إيران، فغزو صدام لإيران تم على معطى محاولة اغتيال عزيز في جامعة المستنصرية، وغزو الكويت 90 وحرب تحرير العراق 2003...
***
يذكر الدبلوماسي العراقي النبيل نزار حمدون في كتاب مذكراته، والذي كان ضد احتلال الكويت، أن قرار الغزو لم يعرف به إلا قلة قليلة، لم يكن بينهم للعلم وزير الدفاع ورئيس الأركان وأغلب الوزراء والمسؤولون وأعضاء مجلس قيادة الثورة، إلا أنه فوجئ صبيحة الغزو أن طارق عزيز كان موجوداً بالوزارة ويعلم بالغزو ويدافع عن القرار ويبرره، ولاحقا ذكر وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر في مذكراته عن تشدد طارق عزيز غير المبرر في اجتماعهم بجنيف يناير 91، الذي كان يهدف لمنع الحرب الجوية، كما يذكر القادة السوفييت، ومنهم نائب وزير الخارجية عن تشدد مماثل غير مفهوم لطارق عزيز في فبراير 91 أمام القيادة السوفيتية، والذي كان يهدف لمنع الحرب البرية، موقفاً مماثلاً يرويه سفير العراق في الاتحاد السوفيتي د. مزهر الدوري هذه الأيام ضمن برنامج الذاكرة السياسية على قناة العربية عن تشدد عزيز مرة أخرى أمام القيادة السوفيتية إبان محاولات منع شن الحرب على العراق عام 2003، وهو أمر قال بمثله المبعوث الروسي الرفيع الدكتور يفغيني بريماكوف إبان لقائه بصدام وطارق عزيز في مارس 2003، حيث كان تشدد عزيز أكثر من صدام، حتى أنه قال لبريماكوف إننا سنلتقي هنا في بغداد بعد 10 سنوات وسنكون باقين، وبالطبع تغيرت الأمور خلال أيام لا سنين، وكل موقف متشدد لعزيز نتج عنه تدمير للعراق...
***
آخر محطة
1- ضمن الأحاديث غير الصحيحة للأكاديمي الكويتي، والتي تُظهر مرة أخرى سقطات وفضائح عدم القراءة، إدعاؤه أن الأكاديمي والقيادي والدبلوماسي الروسي يفغيني بريماكوف 1929-2015 الذي كان يسمى بـ كيسنجر روسيا، والذي احتل مراكز رفيعة كوزير للخارجية ورئيس للوزراء ورئيس مجلس السوفييت الأعلى ورئيس جهاز الاستخبارات كان يزور العراق، وأدمن على شرب العرق العراقي مع صدام، ومعروف أن العرق العراقي وبعكس اللبناني ليس مشروباً فاخراً، ولا يتوافر في الفنادق والمطاعم الراقية، بل هو مشروب العامة والدهماء لذا لا يمكن لصدام أن يشربه مع ضيفه الرفيع المستوى، وهذا ما يؤكده مدير قصور صدام في مذكراته، من أن صدام كان يشرب إبان الحصار أفخر وأغلى أنواع الويسكي الأسكتلندي المعتق، الذي تبلغ قيمة الزجاجة الواحدة آلاف الدولارات، ولم يذكر شيئاً عن شربه العرق العراقي الرخيص أو تدخينه لسجائر اللف العراقية...
2- التقيت شخصياً د. بريماكوف عبر السنين في أكثر من عاصمة عربية، ولم أرَ في تصرفاته ما يدل على إدمان الخمر، ولن تجد في آلاف المقالات التي كُتبت عنه ما يدل على الإدمان، فما بالك بإدمان العرق العراقي الرخيص الذي يسمى عرق أبوكلبشة، كون من يشربه يسكر ويعربد وينتهي بحجزه في النظارة مقيداً بالكلبشة كي لا يؤذي نفسه والآخرين، لذا فإسقاط ما كان يقوم به الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسن الشهير بإدمان الخمر والعربدة بالعلن، على شخصية أكاديمية وازنة مثل د. بريماكوف لا يصح ويفتقد من يقوله للمعرفة والدقة التاريخيتين.
* نقلا عن "النهار"