الهند واليابان.. شراكة متنامية

د. ذِكْرُ الرحمن
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

شهدت زيارةُ رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى اليابان، مؤخراً، تعهّدَ البلدين بالعمل على تعزيز التعاون بينهما، في مؤشر على عمق علاقاتهما الثنائية. وجاءت زيارة مودي إلى اليابان في طريقه إلى الصين للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، كرسالة استراتيجية مفادها أن الهند تسعى بحذر إلى ترسيخ علاقاتها مع الصين، إلى جانب موازنة علاقاتها مع الدول الأخرى. وتتبع الهند سياسة الاستقلال الاستراتيجي، حيث رفضت الانجرارَ إلى أي تحالفات، مستمرةً في الحفاظ على علاقات جيدة مع مجموعة من الدول التي ترى أنها تعزز أهميتَها الاستراتيجية.

ومع ذلك، تواجه السياسة الخارجية الهندية تحديات بعد توتر العلاقات مع الولايات المتحدة، إثر فرض عليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية بنسبة 50%، بما في ذلك غرامة على شراء النفط الروسي. وخلال زيارة مودي إلى اليابان، حدد البلدان هدفاً استثمارياً يبلغ 10 تريليونات ين في الهند على مدى عقد من الزمن، كما اتفق الجانبان على التعاون في مجالات عدة، بما في ذلك وضع إطار للشراكة الدفاعية وخريطة طريق لعشر سنوات لتعزيز التعاون الاقتصادي.تأتي هذه القرارات في ظل اضطرابات ناجمة عن سياسات التجارة الأميركية.

فقد اتفق البلدان على توسيع الشراكة الاستراتيجية والعالمية الخاصة بين الهند واليابان، ووقّعا 13 اتفاقية خلال زيارة مودي لليابان، وشمل ذلك إنشاء بنية اقتصادية لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد في قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات والطاقة النظيفة والاتصالات والصناعات الدوائية والمعادن الحرجة والتقنيات الجديدة والناشئة. كما شملت الاتفاقيات تعزيز الأمن الاقتصادي والتنقل والاستدامة البيئية والتكنولوجيا والابتكار والصحة، إلى جانب تعزيز التبادل الشعبي والتعاون بين الولايات الهندية والمقاطعات اليابانية. تُعد العلاقات بين الهند واليابان من العلاقات المستقرة والخالية من الأزمات، وقد شكّلت إحدى النقاط المضيئة في الدبلوماسية الهندية. وأدرك البلدان منذ وقت مبكر أهميةَ تعزيز العلاقات الثنائية لضمان استقرار منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وخلال زيارة رئيس الوزراء الياباني الراحل شينزو آبي إلى الهند عام 2007، تحدث أمام البرلمان الهندي عن «قوس الحرية والازدهار»، وهو المفهوم الذي أصبح يُعرف اليوم بـ«منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة».

ومنذ ذلك الحين، واصل رؤساء الوزراء اليابانيون الاستثمار في العلاقات الهندية اليابانية. بلغ حجم التجارة الثنائية بين الهند واليابان 22 مليار دولار في 2023-2024، فيما تُعد اليابان خامسَ أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في الهند. ودعا مودي الشركات اليابانية إلى القدوم إلى الهند وزيادة الاستثمارات، مشيراً إلى أن الشركات اليابانية استثمرت بالفعل أكثر من 40 مليار دولار، منها 13 مليار دولار خلال العامين الماضيين. كما سعى مودي إلى جذب المزيد من الشركات اليابانية إلى الهند، مُؤكّداً أن الهند تُعدّ أسرع اقتصاد رئيس نمواً، وأن استقرارَها السياسي والاقتصادي، بالإضافة إلى شفافية سياساتها، جعلاها وجهة استثمارية جاذبة. وأشار تحديداً إلى وجود إمكانات واعدة في مجالات الطاقة الخضراء والتصنيع والتكنولوجيا.

وفي خطابه، أكد رئيس الوزراء الهندي أن التكنولوجيا اليابانية والمهارات الهندية يمكن أن تقود ثورةَ التكنولوجيا في هذا القرن وتسهم بشكل كبير في استقرار آسيا ونموها وازدهارها. وفي إطار حرصه على تعزيز التعاون مع اليابان في مجال أشباه الموصلات، زار مودي شركة «طوكيو إلكترون مياجي» المحدودة، وهي شركة متخصصة في هذا المجال. واطلع رئيس الوزراء الهندي على قدرات التصنيع المتقدمة للشركة اليابانية وآمالها في توسيع نطاق تعاونها مع الهند. كما ستُدخل اليابان أحدث قطاراتها السريعة من طراز E10 من سلسلة «شينكانسن» إلى الهند بحلول أوائل عام 2030 ضمن مشروع السكك الحديدية عالية السرعة بين مومباي وأحمد آباد، والذي برز كركيزة أساسية للتعاون بين طوكيو ونيودلهي. ومع ذلك، فإن سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تؤثر أيضاً على الحوار الأمني الرباعي (Quad)، وهو تجمع يضم الهند واليابان وأستراليا والولايات المتحدة.

فمع توتر العلاقات بين واشنطن ونيودلهي، أصبح مستقبل هذا التجمع محلَّ تساؤل. ومن المقرر أن تستضيف الهندُ قمةَ «كواد» هذا العام، لكن لا يزال هناك غموض حول مشاركة ترامب في القمة. وكان تجمع «كواد» قد التزم سابقاً بإنشاء منطقة حرة ومفتوحة بين الهند والمحيط الهادئ، وأن يكون «قوة عالمية من أجل الخير» من خلال مبادرات في الصحة والمناخ والتكنولوجيا والبنية التحتية. واستضافت إدارة ترامب اجتماعَ وزراء خارجية «كواد» في يناير الماضي، بعد يوم واحد فقط من أداء ترامب اليمين لولاية ثانية في البيت الأبيض. لكن مع تراجع العلاقات بين الهند والولايات المتحدة، أصبح مستقبل «كواد» غير واضح. وبينما تظل زيارة ترامب المرتقبة إلى الهند، للمشاركة في قمة «كواد»، غير مؤكدة، تستمر العلاقات بين الهند واليابان كجانب إيجابي ونقطة مضيئة، ومن المتوقع أن تتوسع العلاقات الاقتصادية بينهما في المستقبل.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.