الصحف الورقية حصن الثقافة العربية أمام فوضى المنصات الرقمية

بندر الدوشي
بندر الدوشي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

في عصر تتزاحم فيه الأخبار وتتسابق المنصات الرقمية على خطف انتباه القارئ والمهتم، تظل الصحف الورقية ملاذًا آمنًا يمنح الثقافة العربية توازنها، ويعيد للمجتمع قيمة القراءة العميقة. فالصحافة المطبوعة ليست مجرد أوراقٍ تتناقلها الأيدي، بل هي ذاكرة أمة، وأداة لتشكيل الوعي، ومنبر لترسيخ الانتماء الوطني، وتعزيز الفكر والثقافة بين القراء.

وما تُظهره الدراسات يؤكد ما سبق فالصحف الورقية لا تزال تلعب دورًا حيويًا في تعزيز الفكر المجتمعي، وتعزيز الثقافة المحلية، والترويج للسياحة الثقافية، لا سيما عبر التجربة الحسية والمضمون العميق والشعور بالمجتمع. في المقابل، تتميّز الصحافة الرقمية بالسرعة والوصول الواسع، لكنها تفتقر إلى العمق الثقافي والاستمرارية المرتبطة بالتجربة الورقية.

وتؤكد الدراسات أن الصحف الورقية ما تزال تحظى بنسبة ثقة أعلى من وسائل التواصل الاجتماعي بأكثر من 30%، وهو ما يجعلها صمام أمان في زمن تنتشر فيه الأخبار الزائفة بسرعة مخيفة. فبينما تدفع خوارزميات المنصات الرقمية بالمحتويات المضللة إلى واجهة التداول، تظل الصحف المطبوعة ملتزمة بصرامة التحرير وعمق التحليل، لتقدّم للقارئ رواية متماسكة يمكن الاتكاء عليها في فهم الواقع.

لا أؤمن أن الصحف الورقية يمكن أن تعود كسابق عهدها لكني أدرك أن غيابها مؤثر جدا والاعتماد بشكل كبير على الرقمنة وغيرها غير صحي تماماً. ولكي نبني مواطن عربي واعٍ ومثقف يجب دعم المنصات المعرفية الرصينة، وهو ما توفره الصحافة الورقية عبر مقالات الرأي، والتحقيقات الاستقصائية، والملفات الثقافية والفكرية التي لا يجد القارئ نظيرًا لها في فضاءات التواصل. فالقراءة المنتظمة للصحف تشكّل وعيًا جمعيًا يتجاوز اللحظة السريعة إلى الرؤية الاستراتيجية، وتساعد القارئ على الانخراط في نقاشات الشأن العام بعمق ومسؤولية، بدلاً من تركه فريسة لسطحية المحتوى الرقمي.

لا تقف أهمية الصحف الورقية عند حدود الثقافة والتنوير، بل تمتد لتصبح أداة في مكافحة التطرف الرقمي الذي تغذيه منصات التواصل عبر نشر خطابات الكراهية والتحريض والمحتويات المتطرفة خصوصا في الشرق الأوسط . فالصحف والمجلات المطبوعة، بما تمتلكه من التزام مهني ورقابة تحريرية، تقدم بدائل معرفية رصينة تسهم في تعزيز المناعة الفكرية للمجتمع. ولخلق بيئة فكرية آمنة تقدم الصحف الورقية مقالات تحليلية معمقة حول قضايا الهوية والدين والسياسة، وإبراز الأصوات الوسطية والمستنيرة، وهو جهد يومي يعزز قيم الاعتدال والتسامح. وبذلك تصبح الصحافة الورقية شريكًا أساسيًا للدولة والمجتمع في تحصين الشباب من الوقوع ضحية لخطابات التطرف التي تنتشر بلا ضابط على المنصات الرقمية.

وفي الحقيقة ، أدركت كثير من الدول المتقدمة أن بقاء الصحافة الورقية ليس مجرد مسألة إعلامية، بل قضية ثقافية وسياسية ترتبط بحماية المجتمع من التبسيط المخل والتضليل. ففي النرويج مثلًا، خصصت الحكومة دعمًا مباشرًا للصحف غير الرائجة وصل إلى 303 ملايين كرونة نرويجية في عام واحد، مع إعفاء كامل من ضريبة المبيعات. أما السويد، فقد قدّمت عام 2019 دعمًا بلغ 61.2 مليون يورو للصحف الورقية، بينما وصل الدعم في النرويج إلى 38.1 مليون يورو في العام نفسه. وفي فرنسا أطلقت الدولة عام 2009 حزمة ضخمة شملت تمويل توزيع الصحف ومضاعفة الإنفاق الإعلاني الحكومي وتوزيع الصحف مجانًا للشباب في سن الثامنة عشرة. أما كندا فقد خصصت عبر برنامج Canada Periodical Fund حزمة تمويل وصلت إلى 600 مليون دولار كندي تشمل إعفاءات ضريبية ودعمًا مباشرًا للصحف والمجلات. وحتى في الولايات المتحدة، التي تعد من أكبر أسواق الإعلام الرقمي، ما يزال هناك دعم غير مباشر عبر إعفاءات ضريبية تتجاوز قيمتها 900 مليون دولار سنويًا، إضافة إلى إنفاق حكومي يفوق مليار دولار على الإعلانات في الصحف.

وشاهدنا كيف نجح ايلون ماسك عبر وكالته الجديدة دوج بكشف تبرعات بملايين الدولارات تقدمها مؤسسات شبه حكومية للصحف الأميركية ومدعومة من قبل الحكومة الأميريكية .هذه الأرقام تبرهن أن الدول المتقدمة لا تنظر إلى الصحافة الورقية باعتبارها صناعة ماضية إلى الزوال، بل كوسيلة استراتيجية للحفاظ على الوعي العام وضمان استمرار التعددية الإعلامية بدلا من الاعتماد المفرط على الرقمنة الإعلامية.

العالم العربي اليوم ، أحوج ما يكون اليوم إلى استلهام هذه التجارب وصياغة مشروع وطني لدعم الصحافة المطبوعة، ليس بوصفها عبئًا ماليًا، بل باعتبارها استثمارًا في الثقافة والوعي والأمن الفكري. فالتخصيص الذكي لجزء من الإعلانات الحكومية والخاصة وأقصد هنا إجبار الشركات ومؤسسات القطاع الخاص على تخصيص 50% أو أكثر من إعلاناتها للصحف الورقية يمكن أن يضمن استدامة مواردها، وربطها في الوقت نفسه بالمنصات الرقمية عبر أدوات مبتكرة مثل رموز الاستجابة السريعة (QR) وهو ما سيتيح للقراء الجمع بين المصداقية الورقية والتفاعلية الرقمية. كما أن إشراك الجامعات والمدارس في نشر الصحف بين الطلاب سيمنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف التفكير النقدي بعيدًا عن فوضى المنصات، بينما يسهم إصدار طبعات أسبوعية أو شهرية بطابع تحليلي وفكري فاخر في جذب النخب وصناع القرار، ويعيد للصحافة مكانتها كمنبر ثقافي مميز. ومن شأن هذا كله أن يحوّل الصحف الورقية إلى خط دفاع معرفي يوازي أهمية مؤسسات الدولة في حماية الهوية الوطنية ومكافحة التطرف.

أرى أن هناك فجوة كبيرة بين الشباب ومجتمعاتهم المدنية والمحلية والحكومات تسببت به غياب الصحف الورقية وللأسف بات اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن التثقيف وتبادل المعلومات والحصول على الأخبار هو الأمر الشائع وهذا يعني التحول إلى صحافة الأفراد غير المنضبطة والتي تحمل مخاطر اجتماعية وسياسية عالية جدا.

بمعنى آخر، دعم الصحف الورقية ليس حنينًا إلى الماضي، بل استثمار في المستقبل الثقافي والأمني العربي. فالمجتمع الذي يحافظ على عادة قراءة الصحف هو مجتمع يبني لنفسه حصانة فكرية ضد السطحية والتطرف الرقمي، ويؤسس لمواطنة واعية تشارك بفاعلية في تشكيل الحاضر وصناعة المستقبل. وإذا كانت الدول المتقدمة تنفق مئات الملايين للحفاظ على هذا الإرث الحي، فإن على العالم العربي أن يدرك أن الصحافة الورقية ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي ضرورة استراتيجية لحماية العقول وتعزيز الهوية الوطنية في مواجهة الانجراف وراء المحتوى العابر والمتطرف.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط