الإخوان: الأبوية والسياسة

 أيمن خالد
أيمن خالد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

اختلف الرعيل الأول في السياسة ولم يختلفوا على الدين، وعلى خلاف خطاهم جعل "المخالفون الجدد" السياسة بقدسية الدين حتى يأتمر الناس فيها دونما جدل، وبذلك أدخل الإخوان الناس في رهاب الشك من كل ما هو سواهم، فابتدؤوها بالأبوية الدينية والمجتمعية وأعينهم نحو السياسة، وانتهى الأمر بجماعة الإخوان أنهم إذا غمسوا أيديهم في سلة الدين (خاصتهم) استخرجوا منها الخوارج، وإذا غمسوها في السياسة استخرجوا منها مسيلمة صاحب اليمامة، لأن الأيديولوجيا الحزبية لا تغيب عنها جدلية النفاق، فهما يولدان معاً، ويكبران معاً فكل حزب وليد يحتاج مظلة وجمهوراً وأول الأمر يبدأ بتوظيف القيمة الأخلاقية للدين لتصبح في خدمة الأيديولوجيا.

من غير الممكن إرساء الأبوية في أي مجتمع إلاّ بصناعة واحدة من اثنتين (القمع أو تزييف رهاب الدين) بغية إلقاء قيمة خالدة على من يبث الفكرة، ومن هنا انصرف الإخوان نحو تعويم فكرة الإرشاد وقدسية جماعتهم مع استباحة وتبرير الخروج على الأصل. فمسألة أبوية القمع تأتي في أعقاب الانتصارات سواء أكانت وهمية أم حقيقية، وفي حالة الإخوان كانت المظلومية ملجأهم، من أجل إخفاء شذوذهم عن حركة التاريخ، بقصد خلق حالة من الاستعطاف نحوهم، لأنه كان يستحيل عليهم إيجاد حضور قديم لهم في التاريخ، وبالتالي ما تأخذه في ثوب العاطفة تختل فيه مسائل العقل، من هنا تحولت الجماعة بمرشدها وتأويلاتها تحت سقف من الرهاب الديني المزيف، فهم الجماعة الناجية، وهم خيرة أهل الأرض وكل ما عليك الانصياع لهم، وما دونهم فهم علماء سلاطين وخارجين على الدين الحنيف، تماماً كما كانت أبوية الخوارج، ولكن الخوارج كانوا أكثر من ذلك لأنهم استخدموا قوة السيف وجدلية الحجة لإثبات هداهم المتخيل على ضلال من يحيط بهم من الأصل، فاستباحوا دماء الرعيل الأول، وقتلوا الصحابة وصاموا وقاموا وتهجدوا وأتوا بمناسك لا يفعلها إلا خيرة العابدين، ولكنهم مع ذلك زالوا ولم يبق من أثارهم إلا صدى الفكرة بين جدران جوفاء، فلا عباداتهم اقنعت الناس بتقواهم، ولا سيوفهم ذللت رقاب الخلق فانصاعوا لهم، وبقي السر في فشل الخوارج السابقين هو السرّ ذاته الذي يُفشل الخوارج في كل زمن، وهو سلبهم الأبوية السياسية، فالخوارج السابقين لم يحكموا المشهد، ولكن تحكموا بقدر محدود من الأرض قبل أن تلفظهم، وهو تماماً مقتل الجماعة الاخوانية، التي دخلت متأخرة على المشهد السياسي، ثم انكفأت نحو الأبوية الدينية كطائفة معزولة، لعجزها عن صناعة أبوية سياسية تسوق الناس كما تريد.

ما بين زمن الخوارج والذين كانت خطواتهم جهرية، وبين الإخوان الذين مزجوا بين الباطنية والجهرية، تناثرت فكرة الخوارج، وتنامت فكرة الإخوان حتى باتت الدولة بالنسبة لهم كيانية تجري في اطار ونطاق تناحري ضيق يمكنهم إدارتها، وهذا محال لأن المجتمع ليس طائفة لذلك يؤمن الاخوان بما يسمونه التربية الاخوانية، وهي تربية تقوم على الفصل بين الكائنات الإخوانية الأقل عدداً عن المجتمع الأكثرية، أو أن عليهم سوق الناس بعصا الرعب أسوة بالأيديولوجيات السابقة والتي استمد منها حسن البنا جزءًا من تكوين مادته الفكرية حول بنية مجتمعية جديدة متخيلة، ما يعني ان نشأة الإخوان أحاطت بها المؤثرات المحيطة، قبل أن تنموا كظاهرة هجينة على طرف المجتمع الإسلامي ثم تدعي أصالتها فيه. وبالتالي ليس بالضرورة ان تبرز أبوية الإخوان أمام الجماعة في سياقها الجهري دائماً، بقدر ما هي حركة ذات بنية هرمية وإطار حزبي ضيق، ما يجعل عامة أنصارها في معزل عن الكيانية الصلبة للفكرة والسلطة.

باطنية الإخوان تتيح للحركة التدخل في تفاصيل الشؤون اليومية لأعضاء الجماعة، وهي عضوية لا يكتسبها عامة الناس لأن عامة الناس بالنسبة للجماعة هم الجسم الذي يتم توظيفه كغلاف للحزب، ولهذا القطاع الواسع من الناس دور حيث يبقى خارج السرب على صعيد البنية الفكرية والحزبية، ولكنه يعمل عاطفياً على تمام مسيرته، مثل أي منظومة حزبية نشأت في بيئة مضطربة ورخوة، حيث يتوهم الجنود أن رصاصهم يبني مدارس وحدائق ورياض أطفال.

لا يؤمن الإخوان بالعقد الاجتماعي رغم حديثهم عنه، لأن لديهم مفهوم البيعة، والبيعة تفويض مطلق لسلطتهم، وتشمل الدين والمجتمع والسياسة معاً، وبالتالي كلما تم عزل الإخوان عن السياسة وابتعدت من بين أيديهم السلطة انكفؤوا إلى أبويتهم الحزبية وبقوا فيها في إطارهم الضيق، كما حدث مع أول الخوارج حتى أحدث فيهم الزمن فعله.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط