مؤتمر الدولتين وتحدياته الكبرى
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
ربما يتحول الاعتراف العالمي بالدولة الفلسطينية إلى نكبة جديدة عبر قرار الحكومة الإسرائيلية ضم الضفة الغربية نهائيا.
لم تكن الدولة الفلسطينية واردة يوماً في العقل الإسرائيلي لكن الفلسطينيين اقتربوا من احتمال تحققها على أرض الواقع مرتين، الأولى نهاية الثمانينيات إثر الانتفاضة الأولى المعروفة باسم "انتفاضة الحجارة"، والثانية هي ما يؤمل السير نحوه مع الجهد العربي والدولي الذي تقوده السعودية وفرنسا من أجل حل الدولتين، والذي سيتوج مبدئياً في الاجتماع العالمي داخل مقر الامم المتحدة بنيويورك في الـ 22 من الشهر الجاري.
في المرة الأولى صنعت الانتفاضة الفلسطينية الشعبية في الضفة وغزة الفارق الأساس، فلم تكن "منظمة التحرير الفلسطينية" التي أنهكها اجتياح لبنان وطردها منه الجيش الإسرائيلي، في أحسن حالاتها، لكنها بقيت الممثل الشرعي الوحيد لشعبها، فأسهمت في قيادة انتفاضته وتطويرها والدفع نحو تثميرها سياسياً في المشروع الوطني الفلسطيني، قبل استحضار حركة "حماس" التي ظهرت في تلك الأيام الحافلة، لتشكل عنصر انقسام سيبرز دوره لاحقاً في إضعاف المنظمة والموقف الفلسطيني الموحد، وهو ما استفادت منه إسرائيل على مرّ الأعوام وصولاً إلى اليوم، لنسف مشروع الدولة أرضاً وسكاناً عبر حروب القتل والتهجير والاستيطان في غزة والضفة الغربية.
هذه المرة يلوح مشروع الدولة من خارج سياق الصراع التقليدي بين إسرائيل والفلسطينيين، فمعركة "حماس" التي فتحت الباب أمام حرب تدميرية تقترب من إنهاء عامها الثاني عززت النهج الإسرائيلي التقليدي التوسعي ورفضه البحث في أية حقوق للشعب الفلسطيني، وبدلاً من الطروحات التي سادت نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي حول ضرورة التسوية السلمية التي تضمن حقوق الأطراف، وكان لأميركا دور بارز في إدارتها بدءاً من "مؤتمر مدريد"، أُخليت الساحة للمعارك العسكرية التي تتفوق فيها إسرائيل بدعم هائل من الولايات المتحدة، وتغتنم إسرائيل هذا الواقع لترفض أي دور للسلطة الوطنية الفلسطينية، فتنسف "اتفاقات أوسلو" وتقفل الباب أمام المطالبة بتنفيذ تلك الاتفاقات التي اعتبرت في حينه خطوة على طريق قيام الدولة المستقلة.
لقد أضعفت الحرب المفتوحة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الفلسطينيين لكنها لم تتمكن من كسر إرادتهم في التمسك بأرضهم، وبقدر ما أثار "طوفان الأقصى" من اعتراضات واستنكارات حول العالم، بقدر ما دفعت الوحشية الإسرائيلية شعوب الغرب إلى التحرك تضامناً مع الشعب الفلسطيني، مما يوفر أساساً لتحرك دولي جديد دفاعاً عن حقوق الفلسطينيين ومن أجل سلام عادل في الشرق الأوسط.
التقى الموقف الدولي المتبلور في سياق الحرب المفتوحة مع موقف سياسي عربي ثابت تعبر عنه السعودية منذ ما قبل اندلاع الحرب، خصوصاً في محادثاتها مع الأميركيين عشية الحرب الراهنة، قوامه ألا تسويات على حساب الشعب الفلسطيني، وأن أي حل يجب أن ينطلق من القرارات الدولية والمبادرة العربية ويتوج بإقامة دولة فلسطينية على الأرض التي احتلتها إسرائيل صيف عام 1967.
بهذه الروحية تحركت فرنسا والسعودية لتنظيم مؤتمر حل الدولتين في يوليو (تموز) الماضي، وهذا الأسبوع قررت "الجمعية العامة للأمم المتحدة" استئناف أعمال ذلك المؤتمر في الـ 22 من الشهر الجاري بناء على اقتراح قدمته السعودية، مما يتيح حضور ومشاركة أكبر عدد من قادة العالم.
*نقلاً عن "إندبندنت" عربية.