سرّ التفوق الإسرائيلي بين العِلم والسلاح!

بندر الدوشي
بندر الدوشي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

منذ عقود، ظلّت إسرائيل تثير أسئلة في المحيط العربي والدولي: كيف لدولة صغيرة في المساحة وعدد السكان أن تحتل موقعًا متقدمًا في البحث العلمي والتكنولوجيا والطب والصناعة العسكرية ؟ وما هو سرّ هذا التفوق الذي يجعلها حاضرة في التقارير الدولية كقوة ابتكار وتأثير سياسي وعسكري لا مثيل له؟
في الحقيقة تحتل الجامعات الإسرائيلية موقعًا خاصًا في هذه المعادلة. فرغم أن معظمها لا يدخل قائمة العشر الأوائل عالميًا، إلا أنها ثابتة في المراتب المتقدمة نسبيًا. جامعة تل أبيب، التخنيون، الجامعة العبرية في القدس، وجامعة بن غوريون كلها تشكّل قواعد أساسية للبحث العلمي.
لكن السر ليس في التصنيفات وحدها، بل في الإنفاق الهائل على البحث والتطوير الذي يصل إلى نحو 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو من الأعلى عالميًا. هذه النسبة ليست مجرد رقم، بل سياسة ممنهجة ترى أن البقاء في بيئة صراعية يتطلب امتلاك “تفوق نوعي” في العلم والتقنية. ولعل كلمات بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، تعكس هذا التوجه منذ البدايات ، حيث يقول "مصير إسرائيل سيُحسم في الجامعات أكثر مما يُحسم في ميدان القتال.”!
ماذا عن القوة العسكرية ؟
الجيش الإسرائيلي ليس فقط مؤسسة قتالية، بل مصنع كفاءات تكنولوجية. فالتجنيد الإجباري يجلب آلاف الشباب إلى وحدات متقدمة مثل الوحدة 8200 المختصة في الاستخبارات والسايبر، حيث يتلقى المجندون تدريبات مكثفة على تحليل البيانات وتطوير البرمجيات والأمن الرقمي. والكثير من هؤلاء يتسرب لاحقًا إلى القطاع الخاص ليؤسسوا شركات ناشئة في الأمن السيبراني أو الذكاء الاصطناعي. وهكذا يتحول الجيش إلى جسر بين الدفاع والسوق. وكان شمعون بيريز مشهور بمقولته "التفوق لا يأتي من السلاح وحده، بل من العقول التي تصنع السلاح.”
وحاول كتاب “Start-Up Nation: The Story of Israel’s Economic Miracle” للكاتبين دان سنور وشاؤول سنغر تفسير هذه الظاهرة، وكتب فيه المؤلفان: إسرائيل لم تبنِ قوتها الاقتصادية على الموارد الطبيعية، بل على عقلية الابتكار والمخاطرة، حيث يلعب الجيش دورًا مركزيًا في تحويل المجندين الشباب إلى قادة تكنولوجيين.” كما أن العلاقة بين الجيش والسوق خلقت ما يُعرف عالميًا بـ”أمة الشركات الناشئة”، إذ سجّلت إسرائيل أعلى معدلات للشركات التكنولوجية نسبة لعدد السكان. ورغم الانكماش الأخير في الاستثمارات بفعل الأزمات السياسية والاقتصادية، بقي قطاع الأمن السيبراني خصوصًا محركًا رئيسيًا في جذب التمويل العالمي.
أما القطاع الطبي فيعكس وجهًا آخر للتفوق. فمتوسط العمر المتوقع يتجاوز 82 عامًا، وهو من الأعلى في المنطقة. كما أن مستشفى شيبا في تل هشومير يُصنّف بانتظام ضمن أفضل المستشفيات عالميًا وفق “مجلة نيوزويك”. هذا التفوق أيضا ليس منفصلًا عن البحث العلمي؛ فالمؤسسات الطبية الإسرائيلية تشارك في التجارب العالمية، وتستثمر في التكنولوجيا الرقمية والطب الحيوي، ما يضاعف حضورها كقوة ناعمة في الخارج.
ولم يقتصر تحليل “سر التفوق” على الباحثين الإسرائيليين وحدهم، بل الكثير من المحللين الغربيين أيضًا. ويقول المؤرخ الأميركي والتر لاكوير في كتاب A History of Zionism: منذ البداية، ربطت إسرائيل بين التعليم والقدرة العسكرية، واعتبرت أن بقاءها مرهون بالسيطرة على أدوات المعرفة الحديثة.”
أما المفكر الأميركي صامويل هنتنغتون، صاحب نظرية “صدام الحضارات”، فقد وصف إسرائيل بأنها “دولة صغيرة ذات نفوذ واسع بفضل تحالف الجيش والتكنولوجيا والدعم الخارجي”، معتبرًا أن المعرفة هي القوة المضاعفة لها.
ومع ذلك، هذا التفوق الإسرائيلي ليس معصومًا من الأزمات. فحكومة نتنياهو المتطرفة بحروبه الممتدة والانقسامات الداخلية والتراجع في تمويل رأس المال المخاطر خلال 2023–2025، كلها عوامل تضغط على بيئة الابتكار. وقد حذّر توماس فريدمان الكاتب في “نيويورك تايمز” من أن حكومة نتنياهو هي الأكثر تطرّفًا في تاريخ إسرائيل وتُغامر بتبديد تفوّق الدولة ومكاسبها الاستراتيجية؛ إذ يرى أن إصرار الائتلاف على أجندات أيديولوجية وصدامية من طريقة إدارة الحرب وصولًا إلى تمكين التيارات المتطرفة يفكّك التحالف مع واشنطن ويُضعف شرعية إسرائيل الدولية، ما يهدّد مكانتها الاقتصادية والتكنولوجية على المدى البعيد".
ويتفق الجميع على أن التطرف بجميع أشكاله سواء كان دينيًا، سياسيًا، أو أيديولوجيًا هو عدو مباشر للعلم والمعرفة. فالعلم يقوم على الشك المنهجي، والبحث الحر، والانفتاح على الأفكار المختلفة، بينما يقوم التطرف على اليقين المطلق، ورفض النقد، وإقصاء المخالف.

التجربة الإسرائيلية تكشف أن التفوق ليس وليد صدفة، بل نتيجة تخطيط طويل الأمد يدمج بين التعليم، البحث، والعسكرة. لكن هذه التجربة نفسها تحمل درسًا آخر: التفوق يمكن أن يتآكل من الداخل إذا تغلّبت الأيديولوجيا على العقلانية، وإذا حُوصرت بيئة البحث بروح الانقسام والتطرف. فالمعادلة التي جعلت إسرائيل “أمة الشركات الناشئة” يمكن أن تنهار إذا انقطع خيط المعرفة الحر وتحوّل الاستثمار في العقل إلى وقود للصراع فقط.
وبالنسبة للعالم العربي، فإن مواجهة هذا التفوق لا تكون بالخطاب الشعبوي أو التسلح وحده، بل بامتلاك مشروع معرفي متكامل يربط الجامعة بسوق العمل، ويجعل البحث العلمي خيارًا استراتيجيًا لا مظهرًا تجميليًا. فالتفوق الإسرائيلي يكشف بوضوح أن من يملك المعرفة يملك القدرة على البقاء والتأثير، وأن الأمم التي لا تبني عقولها ستظل رهينة لتفوق الآخرين.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط