الصين والعملة الورقية

ناصر الحزيمي
ناصر الحزيمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

من الأمور التي أدهشتني مبكرا حينما قرأت رحلة ابن بطوطة ودونتها مبكرا، كلام ابن بطوطة حول العملة المتداولة بين سكان الصين وكيف أنهم يستعملون ورقا مختوما بختم السلطان يستعمل في التداول والبيع والشراء.

يقول محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، أبو عبد الله، ابن بطوطة (المتوفى: 779هـ) في كتاب "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار": "وأهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم، وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسبكونه قطعا كما ذكرناه، وإنما بيعهم وشراءهم بقطع كاغد، كل قطعة منها قدر الكف مطبوعة بطابع السلطان وتسمى الخمس والعشرون قطعة منها بالشت، بباء موحدة وألف ولام مكسور وشين معجم مسكن وتاء معلوة، وهو بمعنى الدينار عندنا. وإذا تمزقت تلك الكواغد في يد إنسان، حملها إلى دار كدار السكّة عندنا فأخذ عوضها جددا ودفع تلك، ولا يعطي على ذلك أجرة ولا سواها، لأن الذين يتولون عملها لهم الأرزاق الجارية من قبل السلطان، وقد وكل بتلك الدار أمير من كبار الأمراء، وإذا مضى الإنسان إلى السوق بدرهم فضة أو دينار يريد شراء شيء لم يؤخذ منه ولا يلتفت إليه حتى يصرفه بالبالشت ويشتري به ما أراد".

لكن كلام ابن بطوطة حول التعامل ليس بجديد إذ سبق أن ذكره أحمد بن يحيى بن فضل الله القرشي العدوي العمري، شهاب الدين (المتوفى: 749هـ) في كتاب "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار": "قال الشريف حسن السمرقندي: وبلاد الصين كلها عمارة متصلة من بلد إلى بلد ومن قرية إلى قرية، ومعاملتهم بورق التوت، ومنها كبار ومنها صغار، فمنها ما يقوم في المعاملة مقام الدرهم الواحد، ومنها ما يقوم مقام درهمين، ومنها ما يقوم مقام خمسة دراهم وأكثر إلى ثلاثين وأربعين وخمسين ومائة، وهو يؤخذ من لحاء شجر التوت اللين، ويختم باسم القان، وتجري به المعاملات، (فإذا عتق)، واضمحل، حمل إلى الخزانة، وأعطى عوضه مع غرم قليل".

ولم يشتهر كلام العمري لتأخر طبع الكتاب، وقد بحثت عن مصادر أخرى تذكر هذه النقود الورقية قبل القرن الثامن الهجري فلم أستطع العثور عليها. وكما نرى هنا أن نص ابن بطوطة شبيه بنص ابن فضل الله العمري، وهو ما يمكن أن يدخلنا في دائرة انتحال النصوص كما انتحل الكثير من الرحالة لنصوص رحالة آخرين، كما حدث مع ماركو بولو، إذ يقال إن هذا الرجل انتحل الكثير من رحلته من حكايات التجار الذين التقى بهم في الشرق وأنه لم يسافر إلى الكثير من المدن القصية التي ذكرها.

وابن فضل الله كان واعيا لمشاكل الرواية لنصوص الرحالة، فقال عند روايته عن السمرقندي: "حدثني السيد الشريف تاج الدين ابن أبي المجاهد الحسن السمرقندي"، هنا بهذا النص أثبت أنه يعرف عين الرجل وشخصه. وقال في موضع آخر: "وحكى لي هذا الشريف حسن السمرقندي، وهو ممن جال الأرض وجاب الآفاق"، وهنا أكد أن السمرقندي رجل صاحب أسفار ورحلة وتجارة.

وللحديث بقية...

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط