هل أدركت حماس الحقيقة؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
كتبتُ بالأمس عن السؤال الذي طالما دار في ذهني وفي أذهان كثيرين ممن يتابعون الأحداث خلال الأسبوع الماضي. وهو هل تقبل حركة حماس خطة ترامب؟ أشرت في ذلك إلى أن القرار بالغ الصعوبة لقادة حماس، هم بين أمرين كلاهما شديد الصعوبة، الأمر الأول هل يقبلون فعلاً بنزع سلاحهم وبالتالي انتهاء وجود الحركة أو الفكرة التي قامت عليها الحركة في الأساس، والأمر الثاني هو إدراك للرغبة في الحفاظ على ما تبقى من أرواح بشرية في غزة.
وبعد ساعات من نشر المقال، جاء الخبر عن قبول حماس للخطة وتسليم ما تبقى حيًا من الرهائن الإسرائيليين، غير أن هذا الإعلان لم يغلق الباب أمام التساؤلات، بل فتح أبوابًا أوسع حول ما إذا كان القبول كاملًا أم مقيدًا، وما إذا كان يعكس تحوّلًا استراتيجيًا أم مجرد مرونة تكتيكية أملتها الظروف.
الموافقة - كما قرأنا- لم تكن إعلانًا صريحًا بالرضوخ، بل قبولًا لأغلب البنود مع ترك مساحات أخرى فيما يخص بعض النقاط الحساسة، أبرزها بلا شك قضية نزع السلاح، وهو المطلب الذي تلح عليه إسرائيل والولايات المتحدة. البعض يرى أن ما قامت به حماس هو خطوة لإعادة ترتيب أوراقها، إذ أن الجمود على الموقف الرافض لأي حلول إلا بشروط صعبة، كان يكلف أهل القطاع الكثير من الدماء والخسائر الميدانية، فضلًا عن تلقيها ضربات تنظيمية وعزلة متزايدة في المجتمع الدولي، حتى من الحلفاء، وذلك فإن القبول يفيد في هذه المرحلة.
قد يكون في الأمر أيضًا إدراك متأخر بأن فتح الباب -من الأساس- على معركة غير مضمونة لم يكن قرارًا محسوبًا أبدًا، وأن نتائجها جاءت أقسى مما توقعت، وهو ما دفعها إلى التراجع خطوة إلى الوراء لتفادي الخسارة الأكبر، وهي محو الحركة بشكل كامل.
ومع اقتراب ذكرى السابع من أكتوبر، تعود الذاكرة إلى تلك اللحظة المفصلية التي غيرت الخريطة السياسية في المنطقة. فمنذ ذلك اليوم، لم يعد الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي شأنًا محليًا يقتصر على غزة أو الضفة، بل تحول إلى عنوان لصراع إقليمي معقّد تتداخل فيه أطراف أكثر. وهذا وضع حماس أمام استحقاقات جديدة، لأن ما كان ممكنًا قبل عام لم يعد ممكنًا الآن.
من هنا تأتي النصيحة لحماس- مجددًا- بأن تجعل أولويتها الانخراط في النسيج الفلسطيني الواحد، حتى لو كان ثمة أطراف لا ترغب في ذلك أو تعمل على تعميق الانقسام، فإن واجب اللحظة التاريخية يفرض تجاوز الحسابات الضيقة والسعي إلى بناء موقف فلسطيني موحّد.
إذا كان قبول حماس لخطة ترامب يعكس بالفعل مرونة تكتيكية، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون أكثر جرأة ووضوحًا، وهي التوجه نحو توحيد الصفوف. إذ أن الموقف الجماعي قادر على تحويل اللحظة من أزمة إلى فرصة، ومن قبول مرن إلى ورقة قوة تعيد التوازن للقضية الفلسطينية وتمنحها أفقًا جديدًا في مواجهة الاحتلال.
*نقلا عن "المصري اليوم"