المعادن النادرة.. وإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية العالمية

نورة صالح المجيم
نورة صالح المجيم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

من الآن فصاعداً، غدت الهيمنة على المعادن النادرة هي المنفذ الوحيد للهيمنة على المستقبل سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً، فرغم ندرتها، وندرة تمركزها في العالم أيضاً، فإنها أصبحت العصب الرئيسي في كل الصناعات المتطورة، خاصة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، من شرائح إلكترونية، تقنيات رقمية، أسلحة فائقة التطور، كل وسائل إنتاج الطاقة النظيفة.. إلخ.
وعلى هذا الأساس، ستعيد المعادن النادرة تشكيل الخريطة الجيوسياسية العالمية في ضوء أولويتها المطلقة لدول العالم، الصغيرة قبل الكبيرة أو العظمى. وإعادة التشكيل لا تعني بالضرورة تأجيج الصراعات، أو نشوء صراعات من نوع جديد، وإن كان ذلك سينال جزءاً كبيراً من إعادة التشكيل، بل يعنى إعادة تشكيل شاملة غير معهودة أو غريبة بعض الشيء في النظام الدولي.

بسبب ندرتها وندرة تمركزها، بطبيعة الحال، ستشتد الصراعات الدولية عليها، والتي قد تمتد إلى حروب خاصة بين القوى الكبرى، وبصورة أكثر تحديداً بين الولايات المتحدة والصين، إذ باتت الهيمنة على المعادن النادرة الخط الفاصل الرئيسي في صراع الهيمنة العالمية بين القوتين، فهي العنصر الحاسم في توازن القوى العسكرية والاقتصادية والسياسية، التي تستند كلية على التفوق التكنولوجي.

من المشاهد الجديدة في الخريطة الجيوسياسية العالمية إثر المعادن النادرة، مشهد التحالفات الدولية، إذ ستقلب المعادن النادرة مشهد التحالفات رأساً على عقب، بحيث تكون تحالفات لا تتخذ النمط التقليدي المستند على مواجهة التهديد ضد خصم مختلف إيديولوجياً، بل تستند على مصلحة توفير المعادن النادرة، وهذه في شكلها السلمي. ولعل المفارقة الصارخة الدالة على ذلك، هو توطيد بعض الدول الأوروبية، ومنها فرنسا وألمانيا، علاقاتها مع الصين بصورة قد تؤدي إلى تحالف على المدى المتوسط بفضل المعادن النادرة، حيث تحتكر الصين تقريباً معظم المعادن النادرة. وأيضاً، تقارب إدارة ترامب مع روسيا، ثاني أكبر خصم لها بعد الصين، ومحاولة تسوية الحرب الأوكرانية بتنازلات كبيرة مقابل الاستحواذ على نصف المعادن النادرة لأوكرانيا.

على الجانب الآخر أيضاً، نجد أن المعادن النادرة عامل رئيسي - غير معلن - لتوطيد التحالف بين الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وإستراليا وكندا، ومن ضمن أهدافه الرئيسية حرمان الصين من المعادن النادرة، خاصة المستخدمة في التكنولوجيا المتطورة.

الشاهد في الأمر، أن المعادن النادرة ستؤدي إلى نشوء أنماط عديدة وعجيبة من التحالفات، أنماط للتعاون، وأنماط للصراع في مواجهة الغير، وأنماط للاحتكار، وأنماط بين خصوم الأمس. وفي ظل ذلك، ستنهار تحالفات راسخة، أو تضعف، وأبرز مثال على ذلك، توطيد التعاون الخليجي مع الصين التي باتت فاعلاً رئيسياً في التنمية المأهولة لدول الخليج المستندة على التكنولوجيا الفائقة، خاصة الطاقة النظيفة.

مشهد القوة التقليدي بدوره في النظام الدولي، سيتحول بصورة عجيبة بسبب المعادن النادرة، فمن يملك المعادن النادرة هو الأقوى بالتأكيد، إذ سيصبح جاذباً للنفوذ حتى ولو دولة صغيرة. إذ من المفارقات في ظل مخزون المعادن النادرة الهائل غير المكتشف الذي تمتلكه، أن تصبح أفريقيا السمراء ذات مكانة ونفوذ دولي أكبر من أوروبا على سبيل المثال، ومن الوارد أيضاً في هذا الصدد، أن تصبح أيضاً بؤرة الصراع الرئيسية في العالم بين القوى الكبرى بدلاً من آسيا. وتبدل القوة العجيب لا يقتصر على الدول فقط، فالشركات العالمية الكبرى العاملة في استخراج المعادن النادرة، والتي تمتلك الخبرة والإمكانات، ستصبح في مركز قوة مؤثر على الدول.

خلاصة القول: العلاقات الدولية كانت وستظل لا تعرف شيئاً سوى المصلحة، التي باتت تتمحور كلية الآن حول المعادن النادرة العصب الرئيسي والوحيد للسياسة والاقتصاد والجيش والأمن والتكنولوجيا وكل مناحي الحياة. وبالتالي، ستدفع مصلحة المعادن النادرة إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية العالمية رأساً على عقب، الأقوى سيصبح أضعف والعكس، أنماط عديدة وعجيبة من التحالفات، نشوء صراعات في مناطق جديدة، ظهور فواعل وميليشيات جديدة تديرها الدول للصراع والهيمنة على المعادن النادرة.. وغيره.

*نقلاً عن "القبس".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.