الاستقلال والعقول المضروبة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
حسنًا فعلت قيادة الجيش اللبناني بإلغاء العرض العسكري الذي يرافق احتفالات الاستقلال.
حسنًا فعلت، ليس بسبب الظرف الأمني الذي تمر به البلاد بفعل الاعتداءات الإسرائيلية فقط، ولكن لأن مفهوم الاستقلال، بحد ذاته، مضروب في عقول الكثير من اللبنانيين. وحتى يتم إصلاح الخلل البنيوي لهذا المفهوم، لا لزوم للاحتفالات والعروض.
فمن يجد أن كل معترض على بقاء سلاح خارج الدولة هو صهيوني، عقله مضروب، ومن لا يصدق أن "حزب الله" ماهر في التخوين وترويج الإشاعات وشل البلد وتفليسه وفق أجندة مشاريع مشغله الإيراني، ومن ينفي عن "الحزب ارتكابه" جرائم موصوفة في الداخل اللبناني، عقله مضروب. ومن يعتبر تسليم "الحزب" سلاحه لدولته خضوعًا واستسلامًا، ويستجلب العدوان الإسرائيلي ليبرر بقاء هذا السلاح، ومن يتجاهل اختلاق "الحزب" تناقضات بين أركان السلطة ليلعب عليها بما يصرف النظر عن المطلوب منه، عقله مضروب. ومن يؤمن بأن مرجعيته هي دولة الولي الفقيه، فقط لانتمائه إلى الطائفة الشيعية "السوبرمانية"، ومن يرفض الاعتراف بالهزيمة وبأنه لم يعد قوة "إلهية" رادعة بعدما أحرق العدو الإسرائيلي أخضره ويابسه، وأن عليه تغيير مبدأ وجوده ليعود إلى لبنانيته، عقله مضروب.
في المقابل، من يطالب الدولة اللبنانية باللجوء إلى القوة، وليس إلى إعلاء مفهوم التعايش على أساس المواطنة، كسبيل وحيد لتنظيف البلاد من السلاح غير الشرعي، عقله مضروب، ومن يتمنى بأن تبيد إسرائيل "حزب الله" وتقضي عليه وعلى ترسانته العسكرية ليتحرر لبنان، أيضا عقله مضروب، لأن التحرر الفعلي لا يمكن أن يُنجز على يد عدو.
ومن يحرّض على طائفة بأمها وأبيها بسبب ارتكابات "الحزب"، ومن يفضل الانفصال عن الآخر في الوطن، حتى يرتاح في كونتون على قياسه، عقله مضروب.
ومن يسعى إلى إلصاق كل ما انتاب لبنان من انهيار بـ"الحزب" وحده دون غيره من الفاسدين الذين حاربوا بسيفه وجنوا المكاسب، ونقلوا البندقية إلى الكتف الآخر بعد سقوطه، أو من فاسدين كانوا على المقلب الآخر، عقله مضروب.
من يريد لرئيس الجمهورية والحكومة مجتمعة أن يحققا له أحلامه على حساب التعايش والعدالة الاجتماعية بين مختلف اللبنانيين، ومن يعتبر أن المواجهة بين الجيش اللبناني وأي فئة من المواطنين هي الحل، عقله مضروب.
ومن يحسب أن إلغاء "حزب الله" من المعادلة السياسية سيحمل الحل السحري وتنتهي أزمات البلد، عقله مضروب.
فالمطلوب لتحقيق الاستقلال بعيدٌ عن العقول المضروبة، وعدا حصرية السلاح بيد الدولة، لا بد من العودة إلى الجذور، بدءًا من التعليم وفق منهج المواطنة، وليس الأحزاب التي تفتح دكاكين علمية لا علاقة لها بالتربية، ومرورًا بترسيم الحدود بين الدولة والمواطن لجهة الحقوق والواجبات، وليس انتهاءً بانتزاع مزاريب الهدر والسمسرات في الإدارات... وإلخ... إلخ.
الرحلة نحو الاستقلال ليست نزهة، بل هي رؤية وخطة، وأدوات تنفيذ، وسياسة ثواب وعقاب... وإلا... العوض بسلامتكم في الوطن.
*نقلا عن "نداء الوطن"