فتش عن وعي الناخب

سليمان جودة
سليمان جودة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

الطريقة التي تكلم عنها توفيق الحكيم في روايته «يوميات نائب في الأرياف» لم تعد ممكنة في التعامل مع أصوات الناخبين.

ففي الرواية يقول الحكيم، على لسان مأمور المركز، إن الحكومة لا تتدخل في اختيار الناخب، وإنما تتركه يختار المرشح الذي يحب، فإذا انتهت الانتخابات أخذت صندوق الأصوات وألقت به في الترعة، ثم جاءت بصندوق آخر في مكانه يحمل النتيجة التي تريدها. كان توفيق الحكيم يتكلم عن انتخابات ما قبل ثورة يوليو 1952، فلما قامت الثورة جاءت أساليب جديدة بالضرورة، ولم يعد من الممكن إلقاء الصندوق في الترعة.

ولأن أي عملية انتخابية ليست سوى مرشح وناخب، وبينهما طريق ممتد ينتهي بالصندوق، فاللعب فيها أصبح يسبق الصندوق في الغالب، وليس الصندوق في آخر الطريق الممتد سوى حصيلة لما جرى في طريق الوصول إليه.

ولذلك يفرق أهل السياسة بين تزييف إرادة الناخب وتزويرها، فالتزييف يقع في مرحلة ما قبل الصندوق، بينما التزوير يجري في الصندوق ذاته، فلا يصل صوت الناخب إلى المرشح الذي أراده وأعطاه صوته بالفعل. التزييف هو تشكيل إرادة الناخب على غير ما يرضى، وهذا قد يكون بشراء صوته، أو يكون بالتأثير عليه من خلال دعاية سلبية تجعله يرى الأمور على غير حقيقتها، أو يكون التزييف بتوجيه اهتمامه من مرشح إلى مرشح آخر تمامًا.

ولا يتم التزييف ولا شيء منه إلا في غياب الوعي، فإذا غاب الوعي أو جرى تغييبه، فمن السهل على المرشح سواء كان فردًا أو حزبًا، أن يدفع الناخب إلى انتخاب مرشحين لم يكونوا هُم الذين قصد أن يمنحهم صوته، لو أن الأمر بقى في يده بإرادته الحُرة. وفي هذا النطاق ينشط ما يسمونه المال السياسي وينتعش، وليس من الضروري أن يكون مالًا مباشرًا في جيب الناخب، ولكنه يمكن أن يكون إنفاقًا على عمليات متنوعة تأخذ كل ناخب في الأخر إلى حيث لا يرتضي.

ولأن القصة كلها عبارة عن وعي لدى الناخب، فالقصة قصة تعليم أو لا تعليم لدى المواطن، ومن المفهوم أن حصاد التعليم بعيد المدى، لأنك لا يمكن أن تضع التعليم أولوية اليوم ثم تتوقع النتيجة في الغد.. لا يمكن.. وإنما تتوقعها عندما يتخرج أول طالب أنفقت على تعليمه كما يجب.

أما الحصاد القريب فلا رهان فيه على وعي غير موجود بطبيعته لدى كثيرين من آحاد الناخبين، وإنما الرهان هو على رغبة الدولة في أن يكون لديها برلمان يُعبّر بالفعل عن الناس، وإذا توافرت رغبة كهذه فهي في صالح الدولة نفسها قبل أن تكون في صالح الناس. وليست الدول سواء في هذا السبيل، لأن توافر مثل هذه الرغبة يظل في حاجة إلى بصيرة ترى ما يكمن هناك في الأفق، لا إلى بصر لا يرى أبعد من القدمين.

*نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.