العربة في التراث العربي
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
من الأسئلة التي كثيرًا ما تساءلتُ حولها هي مسألة عزوف الحواضر العربية عن استعمال العربة التي تجرّها الحيوانات (الثيران أو الإبل أو الخيل)، بل كان استعمالها يُعدّ أعجوبة من الأعاجيب.
يذكر ابن الجوزي في تاريخه المنتظم في أحداث سنة اثنتين وأربعين ومائتين: "وحجّ إبراهيم بن مظهر بن سعيد الكاتب الأنباري من البصرة على عجلة تجرّها الإبل عليها... ومخرجٌ وقباب... [وسلك طريق المدينة]، فكان أعجب ما رآه الناس في الموسم".
واستمرت العربة كوسيلة نقلٍ مستغرَبة ونادرة إلى أوقات متأخرة، وتُذكر في ترجمة من يستعملها كعلامة فارقة في ترجمته.
فقد جاء في كتاب تاريخ الإسلام للذهبي في ترجمة: "محمد بن أبي بكر بن ريحان، أبو الفتح الهروي، الدلال، النشّائي، الزمِن [المتوفّى: 545هـ]: كانت له عجلة يركبها ويُسيّرها إما بنفسه أو بغيره".
وأفضلُ من فصّل في وصفها هو الرحالة ابن بطوطة اللواتي الطنجي، المتوفى سنة 779 هجرية في رحلته "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، حينما ذهب إلى بلاد الترك وأوروبا، حيث يقول: "وهم يسمّون العجلة عَرَبة، بعين مهملة وراء وباء موحّدة مفتوحات، وهي عجلات تكون للواحدة منهنّ أربع بكرات كبار، ومنها ما يجرّه فرسان، ومنها ما يجرّه أكثر من ذلك، وتجرّها أيضًا البقر والجمال على حال العربة في ثقلها أو خفّتها. والذي يخدم العربة يركب أحد الأفراس التي تجرّها ويكون عليه سرج، وفي يده سوط يحرّكها للمشي، وعُود كبير يصوّبها به إذا عَجّت عن القصد.
ويُجعل على العربة شبهُ قبّة من قضبان الخشب مربوطٌ بعضها إلى بعض بسيور جلد رقيق، وهي خفيفة الحمل، وتُكسى باللَّبد أو الملفّ، ويكون فيها طيقان مشبّكة، ويرى الذي بداخلها الناسَ ولا يرونه، ويتقلّب فيها كما يحبّ، وينام ويأكل ويقرأ ويكتب وهو في حال سيره. والتي تحمل الأثقال والأزواد وخزائن الأطعمة من هذه العربات يكون عليها شبه البيت كما ذكرنا، وعليه قفل. وجهّزتُ لما أردتُ السفر عربةً لركوبي مغشّاةً باللّبد، ومعي بها جاريةٌ لي، وعربةٌ صغيرة لرفيقي عفيف الدين التوزري، وعجلة كبيرة لبقية الأصحاب يجرّها ثلاثةٌ من الجمال، يركب أحدها خادم العربة… وعادة الأتراك أن يسيروا في هذه الصحراء سيرًا كسير الحجّاج في درب الحجاز، يرحلون بعد صلاة الصبح وينزلون ضحًى، ويرحلون بعد الظهر وينزلون عشِيًّا، وإذا نزلوا حلّوا الخيل والإبل والبقر عن العربات وسرّحوها للرعي ليلًا ونهارًا، ولا يعلف أحدٌ دابةً، لا السلطان ولا غيره...".
وبما أن الشيء بالشيء يُذكَر، أحببتُ أن أورد ما ذكره ابن بطوطة عن العربات التي تجرّها الكلاب: "وكنت أردتُ الدخول إلى أرض الظلمة، والدخول إليها من بُلغار، وبينهما مسيرة أربعين يومًا، ثم أعرضتُ عن ذلك لعظم المئونة فيه وقلة الجدوى. والسفر إليها لا يكون إلا في عجلات صغار تجرّها كلاب كبار، فإن تلك المفازة فيها الجليد، فلا تثبت قدم الآدمي ولا حافر الدابة فيها، والكلاب لها الأظفار فتثبت أقدامها في الجليد.
ولا يدخلها إلا الأقوياء من التجار، الذين يكون لأحدهم مائة عجلة أو نحوها موقرة بطعامه وشرابه وحطبه؛ فإنها لا شجر فيها ولا حجر ولا مدر. والدليل في تلك الأرض هو الكلب الذي قد سار فيها مرارًا كثيرة، وتنتهي قيمته إلى ألف دينار ونحوها.
وتُربط العربة إلى عنقه، ويُقرن معه ثلاثة من الكلاب، ويكون هو المقدّم، وتتبعه سائر الكلاب بالعربات، فإذا وقف وقفَت. وهذا الكلب لا يضربه صاحبه ولا ينهره، وإذا حضر الطعام أُطعمت الكلاب أولًا قبل بني آدم، وإلّا غضب وفرّ وترك صاحبه للتلف!
فإذا أكملت للمسافرين بهذه الفلاة أربعون مرحلة، نزلوا عند الظلمة وترك كلّ واحد منهم ما جاء به من المتاع هنالك، وعادوا إلى منزلهم المعتاد، فإذا كان من الغد عادوا لتفقّد متاعهم، فيجدون بإزاء متاعهم من السَّمّور والسِّنجاب والقاقم. فإن أرضى صاحبُ المتاع ما وجده أخذوه، وإن لم يرضه تركه فيزيدونه.
وربما رفعوا متاعهم – أعني أهل الظلمة – وتركوا متاع التجار. وهكذا بيعهم وشراؤهم، ولا يعلم الذين يتوجهون إلى هناك مَن يبايعهم ويشاريهم: أمِن الجنّ أم من الإنس؟ ولا يرون أحدًا!...".