سياسة إسرائيل بين غياب الاستراتيجية وتكريس الواقع الراهن

مجدي الحلبي 
مجدي الحلبي 
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

تبدو السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا ولبنان وغزة وكأنها تدور في حلقة مفرغة من التكتيك المؤقت دون استراتيجية واضحة أو رؤية بعيدة المدى. فعلى الرغم من أن إسرائيل تمتلك قوة عسكرية هائلة وتفوقاً استخباراتياً في المنطقة، إلا أن هذا التفوق لم يتحول إلى مشروع سياسي أو أمني مستدام يضع نهاية لحالة العداء المستمرة منذ عقود.

في غزة، خاضت إسرائيل مواجهات عسكرية وجولات وحرب السنتين الأخيرتين دون خطة نهائية واضحة. كل عملية عسكرية كانت تبدأ بشعار جديد وهدف معلن، لكن سرعان ما كانت تتبدد الأهداف في غياب البدائل والخيارات الاستراتيجية. لم تنته الحرب فعلياً، بل تحولت إلى حالة استنزاف متبادل، حيث بقيت إسرائيل تراهن على القوة العسكرية وحدها دون أن تضع تصوراً سياسياً لما بعد القتال إلى جانب العودة لمحاولاتها القديمة في إنشاء ميليشيات حليفة والتي فشلت منذ روابط القرى في سبعينيات القرن الماضي إلى إمارات الضفة والعشائر مجموعات غزة.

أما في لبنان، فقد نفذت إسرائيل سلسلة عمليات ناجحة ضد حزب الله، أدت إلى تفكيك جزء من بنيته العسكرية والتنظيمية. غير أن غياب خطة نهائية واضحة جعل الحزب يعود تدريجياً لترميم قدراته، مدركاً أن إسرائيل تكتفي بإدارة الصراع لا بحسمه. فالدولة العبرية تعيش على ما يسمى بسياسة "الوضع القائم"، التي تمنحها شعوراً بالأمان المؤقت لكنها في العمق تكشف عجزها عن صياغة حل جذري ومستدام.

وسط خلق بيئة لبنانية متحاربة وفوضى محسوبة ومضبوطة لكن على كف عفريت، تخشى الأطراف كلها من عودة الحرب الأهلية القاتلة.

وفي سوريا، تعمل إسرائيل وفق مبدأ "الميدان المتغير"، فتتعاون ميدانياً مع أطراف متناقضة في الجنوب السوري. فهي تتعامل مع موالين للنظام كالعشائر في درعا وبعض التنظيمات في القنيطرة، وفي الوقت ذاته تبني علاقات مع مناوئي النظام، مثل بعض الفصائل الدرزية في السويداء التي تضم بقايا من ضباط النظام السابق وفعاليات محلية. كما تحاول إسرائيل تهميش مشايخ العقل المعتدلين، وتعيد محاولات فتح قنوات تواصل مع شخصيات لها علاقة بالحكومة الجديدة، والتي كانت على اتصال بها خلال الثورة السورية مثل جبهة النصرة وغيرها من تنظيمات في الداخل السوري وفي الخارج أيضاً، إلى جانب تواصلها مع أركان "النظام السوري" في تلك المرحلة. الهدف من كل ذلك هو الحفاظ على تفوقها العسكري ومنع الميليشيات الإيرانية، وعلى رأسها حزب الله، من شن هجمات ضدها.

لا تكاد توجد بلدة أو مدينة في الجنوب السوري إلا وفيها متعاونون مع إسرائيل من مختلف المذاهب والانتماءات السياسية. هذا النموذج تحاول تل أبيب نقله إلى شمال سوريا، في مواجهة النفوذ التركي هناك، مع استمرار علاقاتها التاريخية مع الأكراد في سوريا والعراق ودعمها لقوات "قسد" منذ سنوات طويلة، حتى في عهد نظام الأسد الأب والابن.

في المحصلة، تعتمد إسرائيل على سياسة الأمر الواقع، أي العمل المؤقت والتكتيك المرحلي لتثبيت السيطرة الأمنية وفرض الحلول بالقوة. لكنها لا تمتلك استراتيجية واضحة لإنهاء حالة الحرب أو العداء في أي من الجبهات. يبدو أن إسرائيل لا ترغب فعلاً في الوصول إلى حلول نهائية، لأنها تدرك أن ذلك سيجبرها على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967، ما يعني تقليص مساحة الدولة وضرب حلم "أرض إسرائيل الكبرى" الذي يستند إلى فكر توراتي لا يمت إلى الواقع السياسي بصلة، ويعتمد فقط على منطق القوة لفرض الأمر الواقع.

في المقابل، يشهد العالم من حولها تحولات عميقة نحو الاستقرار والازدهار. دول المنطقة تسعى إلى التنمية والانفتاح، بينما تبقى إسرائيل عالقة في منطق السلاح والردع، متشبثة بواقع عسكري هش لا يمكن أن يدوم طويلاً. أمامها خياران لا ثالث لهما: إما الالتحاق بركب الاستقرار الذي يضع الإنسان وكرامته في المقدمة، أو الاستمرار في العيش على حافة الحرب، متكئة على قوتها العسكرية وتحالفاتها المؤقتة.

غياب التفكير الإسرائيلي في حلول شجاعة يجعلها تعتمد على السلاح وعلى شبكة من المتعاونين الذين لا يرون أبعد من مصالحهم الآنية. فإسرائيل لا تملك أصدقاء حقيقيين أو حلفاء في المنطقة، بل شركاء ظرفيين يتبدلون بحسب المصلحة والوقت. وهنا نستذكر ما ينطبق على الحالة وهو قول البطريرك الماروني الراحل مار نصر الله صفير: "لقد قلنا ما قلناه، ليس لسوريا الأسد أصدقاء في لبنان إنما عملاء".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.