الأوراق السوداء بيضاء أحياناً!

د. عزة السبيعي
د. عزة السبيعي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

تقول القصة إن الدكتورة جوزفين بيكر -وهي طبيبة في الصحة العامة في مدينة نيويورك - جلست فوق الطاهية الإيرلندية ماري مالون حين وجدتها مختبئة حتى لا تهرب إلى أن تحضر الشرطة وتقبض عليها، كانت ماري تحمل العصيات التيفية المسببة لعدوى مرض التيفوئيد الذي انتشر في مدينة نيويورك في سنة 1905، وكانت ماري بسبب عملها طباخة واحدة من عوامل نشر المرض في المدينة.

قد يعتبر البعض تصرف جوزفين فيه نوع من العنف، لكنه قطعاً لم يعرف شعور المحارب الذي تحمله جوزفين ضد الأمراض وأهمية سلامة مدينتها منه، على كل حال العالم لا يخلو أبداً ممن يحملون همّ قضايا معينة، وكل واحد منهم يحارب لأجل قضيته بطريقته، وربما تصاب بالدهشة عزيزي القارئ إذا عرفت أن تشارلز ديكنز Charles Dickens سئل مرة: لماذا يصر على كتابة كل هذا البؤس في رواياته؛ فأشار إلى أن لذلك سبباً مهماً وهو أن يعرف الناس كيف عانى الناس تحت الفقر فلا يعودوا إليه أبداً، ربما -بشكل أو بآخر- تسبب هذا في وعي كبير لدى المثقف البريطاني تجاه مثل هذه القضايا المتعلقة بالعلم والصحة والرفاه المالي؛ مما ولّد عشرات الوثائق والتقارير التي أخذت بالتناوب Black and white paper؛ فإذا صدرت من مثقفي المجتمع سُميت سوداء، وإذا كانت من الحكومة اعتبرت بيضاء، ولعلنا نذكر واحدة من أهم الوثائق التي أحدثت تغييراً كبيراً في الاقتصاد والتعليم، ليس في بريطانيا فقط ولكن في العالم أيضاً وهو ما يسمى بـBeveridge Report الذي لخص فيه الليبرالي والاقتصادي البريطاني الشهير وليام بيفريدج خمسة أمور لابد من معالجتها ليحصل الناس على حقهم من الرفاهية، وهي: البؤس، الجهل، الحرمان، البطالة والمرض.

ظهر تقرير بيفريدج بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في وقت كان الناس فيه في وضع اجتماعي مرهق بسبب ما كلفته الحرب من فقر وخراب وبطالة؛ فكان ما يحتويه التقرير من اقتراحات لحل كل هذه الأزمات موضع ترحيب من الناس؛ حيث دعا إلى إنشاء نظام شامل للرعاية الاجتماعية يشمل التأمين الصحي والتعليم ودعم العاطلين عن العمل، وقتها كانت حكومة تشرشل في وضع حرج وأولويات ترغب في حلها قبل تحميل الحكومة مسؤوليات إضافية، لكن وليام بفريدج كان مصرّاً على نشر مقترحاته للحكومة، ولم يهتم بطلبها منه عدم النشر؛ فواصل إرسال النسخ للمثقفين وغيرهم؛ حيث حظي التقرير بدعم مجتمعي غير مسبوق خصوصاً من المعارضة الممثلة في حزب العمال؛ مما أدى إلى انتخاب الناس للحزب؛ لكونهم تعهدوا بتحقيق مطالبات التقرير؛ ليكون هذا التقرير حجر أساس لتشكيل دولة الرفاهية في بريطانيا.

في مابعد كان هناك العديد من التحديات التي واجهت المجتمع البريطاني خصوصاً بعد ظهور النفط وضعف الاعتماد على الفحم وغيره من مصادر ثروة بريطانيا، وانعكاس الآثار السيئة للبطالة على المجتمع البريطاني؛ حيث بدأ بعض المثقفين البريطانيين إصدار سلسلة من المقالات النقدية سميت حينها بـ 5‘a black papers’ (The fifth for education-The crisis in education).

كانت الخمس مقالات التي أعدها عدد من كتاب الرأي في -ومنهم بالمناسبة معلمون- تهاجم حزب العمال ومحاولاته الإصلاحية في التعليم؛ سواء أكانت في السياسات التي اعتمدوها أم القضايا الأيديولوجية الكامنة في النظريات التربوية المعاصرة التي رأى هؤلاء المثقفون أنها أضرت بمخرجات التعليم البريطاني، وأن الأساليب التي اعتمدتها الحكومة البريطانية أثرت على الانضباطية والمعايير، وكل ذلك أدى لزيادة البطالة وبتالي الفقر!

كان الناس يقرأون هذه المقالات ويناقشونها لكن لم تحصل هذه الأوراق على قيمتها الحقيقية إلا عندما أخطأ رئيس الوزراء حينها هارولد ماكميلان في خطبة له في جامعة أكسفورد وأكد -دون وعي منه- نقطة تمت الإشارة إليها في الأوراق السوداء؛ ليخسر في انتخابات سنة 1979 ويأتي المحافظون للسلطة ليسارعوا في تحقيق ماطالبت به الأوراق السوداء وبخاصة ما يتعلق بمراقبة أداء المعلمين وأساتذة الجامعات الذي فرضته مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء التي أطاحت بحزب العمال، لكن مراقبة أداء المعلمين وأساتذة الجامعات قادت إلى ممانعة قوية منهم وهجوم إعلامي عليها يقودها هؤلاء الإعلاميون الذين أصل أكثرهم معلمون أو أساتذة جامعات.

وصفت الصحافة تاتشر بـ"milk-snatcher"؛ لأنها تنازلت للخزانة بقبول إلغاء وجبة الحليب للأطفال فوق سبع سنوات مقابل رفع سن التعليم الإلزامي، لكن أصحاب الأوراق السوداء الجدد لم يلاحظوا هذه الجهود واعتبروها طاردة المعلمين من الجنة! ورغم هذه الجهود الإعلامية وعشرات المقالات السوداء استمر مشروع تاتشر في الإصلاح ومنه إدخال إدارة الأداء لقطاع التعليم و مراقبة أداء المدرسة وخطط تاتشر بدعم الطلبة الفقراء عبر إجبار الجامعات على تقديم منح للمتفوقين منهم غير حيوات الكثير من البريطانيين لاحقاً.

حتى إن حزب العمال نفسه أكمل مسيرتها الإصلاحية وصدرت من حكومته اللاحقة لفترة تاتشر عشرات الأوراق البيضاء ليكون التعليم أداة حقيقية لإصلاح الاقتصاد والمجتمع.

إن ما سبق يظهر حقيقة أن ليس كل الآراء المناصرة للحقوق بنّاءة، بل إن هناك بعض الأوراق السوداء تخفي نيّات سوداء أيضاً!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط