إسرائيل ووهم تقسيم سوريا!

بندر الدوشي
بندر الدوشي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

يقول الفيلسوف فريدريك نيتشه "من يحارب الوحوش عليه أن يحذر من أن يصبح هو نفسه وحشاً". ويبدو أن إسرائيل، التي أمضت عقوداً في تحذير العالم من خطر حرب الوكلاء والميليشيات الإيرانية التي تعبث باستقرار الدول، قد سقطت أخيراً في الفخ ذاته. فبينما تدين تل أبيب طهران لزعزعتها استقرار المنطقة عبر أذرعها المسلحة، كشفت التقارير الأخيرة أنها تمارس اللعبة ذاتها في الجنوب السوري، لتتحول من محاربة الوكلاء والميليشيات إلى صانعة لهم، في مفارقة سياسية تعكس حجم المعاناة في منطقة الشرق الأوسط.
هذا ما كشفه تحقيق نشرته صحيفة واشنطن بوست قبل يومين عن برنامج إسرائيلي سري لتسليح وتمويل ميليشيات درزية في جنوب سوريا، وهو البرنامج الذي انطلق بعد أيام من سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024. حيث قامت إسرائيل بإسقاط أسلحة جوّاً شملت 500 بندقية، وذخائر، وسترات واقية، وصواريخ مضادة للدبابات، بالإضافة إلى أسلحة كانت قد صادرتها من حماس وحزب الله لصالح المجلس العسكري في السويداء، وغالباً ما تم ذلك عبر وسطاء من قوات سوريا الديمقراطية (قسد). كما قدمت رواتب شهرية تتراوح بين 100 إلى 200 دولار لنحو 3000 مقاتل، واستمرت في تقديم المساعدات غير القتالية.
يبرر المسؤولون الإسرائيليون هذه الخطوة بحماية الدروز السوريين الذين تربطهم صلات قربى بالمجتمع الدرزي داخل إسرائيل من مزاعم التهديدات المحتملة في ظل حكم الرئيس أحمد الشرع.
وما يبدو ظاهرياً أن إسرائيل تعتقد أنها بدعمها للميليشيات الدرزية سوف تخلق ثقلاً موازناً لدمشق، وهو في ظني جهد يهدف إلى تعقيد جهود الشرع الحثيثة والصعبة في توحيد البلاد وإعطاء ذريعة جديدة للجهات المتطرفة في سوريا وتقوية نفوذهم ضد الحكومة.

لسنوات طويلة، ظلت إيران تحت الإدانة الدولية والإسرائيلية بسبب استراتيجية الوكلاء والمتمثلة في تسليح حزب الله، والحوثيين، والميليشيات العراقية تحت ذريعة الدفاع عن الأقليات الشيعية، لكنها كانت تهدف إلى تقسيم وإضعاف الحكومات العربية وتعزيز نفوذ إيران. واليوم إسرائيل تستخدم المنطق ذاته لدعم الدروز في الجنوب السوري وبنفس الأهداف.
التحركات الإسرائيلية العبثية في سوريا تأتي وسط معاركها المستمرة ضد وكلاء إيران، والتي تكثفت منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 والذي أسفر عن مقتل أكثر من 1200 شخص وأشعل حروباً مستعرة على جبهات متعددة واستمرت حتى اليوم. والحق أن إسرائيل والدول العربية تضررت كثيراً من سياسة الوكلاء التي نفذتها إيران طوال العقود الماضية، لكن ما تفعله في سوريا اليوم هو تكرار لاستراتيجية حرب الوكلاء ذاتها التي تحاربها وتدينها باعتبارها مزعزعة للاستقرار.
النقاد، بمن فيهم محللون من كلية "كينجز كوليدج لندن"، يعتقدون أن دوافع إسرائيل أبعد ما تكون عن الدفاع عن الأقليات، وتبدو الاستراتيجية متسقة مع هدف طويل وقديم صرّح به وزير المالية الحالي الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش وهو تفكيك سوريا. وقد دعا مسؤولون إسرائيليون منذ عام 2015 إلى تقسيم سوريا إلى كيانات عرقية دينية، متصورين حكماً ذاتياً للدروز في جنوب سوريا.
لكن الوضع الجيوسياسي قد تغير؛ فبسبب تطرف الحكومة الحالية، تعيش إسرائيل عزلة دولية غير مسبوقة منذ نشأتها، والقادم سيكون صعباً في أحسن الأحوال مع الصحوة الأمريكية التي باتت ترى في إسرائيل راكباً بالمجان، وأصبحت تصرفاتها محل إدانة داخل أمريكا وفي أروقة الكونغرس. ووصل الدعم العالمي لإسرائيل إلى أدنى مستوياته التاريخية في عام 2025، حيث أظهرت استطلاعات الرأي هيمنة الآراء غير المؤيدة تجاه إسرائيل إلى 53% في مسوحات مركز "بيو"، ووصول صافي التأييد إلى مستويات متدنية قياسية، خاصة بين الناخبين الشباب والديمقراطيين. وحتى داخل الحزب الجمهوري، بدأت التصدعات تظهر بشدة؛ حيث انتقدت شخصيات سياسية وإعلامية بارزة المساعدات الأمريكية غير المشروطة لإسرائيل، وبدأوا بتسليط الضوء على نفوذها ولوبياتها داخل أمريكا تحت شعار "أمريكا أولاً".
وقد حذر الرئيس ترمب علانية من هذا التحول مرتين؛ ففي مقابلة أُجريت في سبتمبر 2025، أشار إلى أن إسرائيل كانت تتمتع يوماً ما بـسيطرة كاملة على الكونجرس عبر اللوبي الخاص بها، ولكن الآن لم يعد الأمر كذلك. وفي حفل استقبال "الحانوكا" بالبيت الأبيض في 16 ديسمبر، صرح قائلاً: "إذا عدتم إلى 10 أو 12 أو 15 عاماً مضت، كان أقوى لوبي في واشنطن هو اللوبي اليهودي.. وكانت إسرائيل. اليوم لم يعد ذلك صحيحاً.. لديكم كونغرس على وجه الخصوص أصبح معادياً للسامية!".
تصريحات صادمة لإسرائيل، لكن ترمب يريد تذكيرها بأن تأثيرها يتضاءل وأن الحماية التي وفرتها واشنطن لها على مدار عقود لم تعد مضمونة، حتى إنه وصل به الحد إلى وصف الكونغرس الأمريكي بأنه معادٍ للسامية.
السؤال ماذا يعني ذلك؟ والجواب إسرائيل منهكة، ومع تراجع الدعم الغربي التقليدي، تواجه عزلة متزايدة، وما كان مسموحاً سابقاً لم يعد كذلك أبداً، وبالتالي الاستمرار في سياستها العدائية تجاه سوريا عبر بناء الميليشيات والمواجهات يهدد بحبسها في صراعات كارثية ويعمق الاغتراب العالمي تجاهها. فالدروز مكون سوري أصيل، وكما صرّح الشيخ حكمت الهجري "الدروز جزء لا يتجزأ من سوريا ولن يكونوا قطعاً في لعبة الشطرنج الاستراتيجية الإسرائيلية".
ولتأمين الاستقرار على المدى الطويل وضمان بقائها كما يتحدث عقلاؤها، يجب على إسرائيل التحول نحو التكامل مع جيرانها العرب عبر توسيع أطر اتفاقيات السلام، وانتهاج دبلوماسية إقليمية شاملة، وتطبيع العلاقات مع الدول الكبرى في المنطقة من خلال تنازلات متبادلة تهدف إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
محاولة تقسيم سوريا ورفض الحق الفلسطيني لا يعني أبداً ضمان أمن إسرائيل، على العكس سيعني جحيماً ممتداً وحروباً منهكة أبدية لا تنتهي، لكن هذه المرة من دون الدعم الغربي الذي تمتعت به طوال عقود مضت. ومن وجهة نظري أن الأمن الحقيقي لإسرائيل يتطلب دعم الحكم الشامل في دمشق، والتفاوض على مناطق منزوعة السلاح، والمساهمة في إعادة الإعمار دون تسليح الفصائل. استنساخ نهج الميليشيات تحت ذرائع حماية الأقليات هي مقامرة خطيرة لزعزعة الشرق الأوسط وتكراراً لنهج إيران، وهو جهد محكوم عليه بالفشل وسوف يؤخر السلام ويهدد استقرار المنطقة بأكملها بما فيها إسرائيل.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.