رسالة سهل بن هارون في مدح البخل
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
قبل مدة كتبت مقالة حول كتاب البخلاء لأبي عثمان الجاحظ وهو كتاب مشهور جدا إلا أن شهرته كانت في غير صالحه العلمي؛ إذ إن شهرته أدخلته في دائرة المسلمات المعرفية حيث أصبحنا ذهنيا نتعامل وبشكل مسلم به مع هذا الكتاب على أنه كتاب ملح وطرائف لتزجية الوقت، والحقيقة أن هذا الكتاب عندي يعتبر من أهم كتب الاقتصاد وقلت وقتها إن كتاب البخلاء يوازي في أهميته الاقتصادية كتاب الأمير لمكيافيلي في أهميته السياسية. وأنا هنا سوف أحاول نقل نص رسالة مدح البخل لسهل بن هارون وهي رسالة مهمة في بابها ومبناها حفظها لنا الجاحظ في كتابه العبقري البخلاء :
((رسالة سهل بن هارون
إلى محمد بن زياد، إلى عمه من آل زياد، حين ذموا مذهبه في البخل، وتتبعوا كلامه في الكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم
أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلمكم الخير، وجعلكم من أهله! قال الأحنف بن قيس: يا معشر بني تميم، لا تسرعوا إلى الفتنة، فإن أسرع الناس إلى القتال، أقلهم حياء من الفرار.
وقد كانوا يقولون: إذا أردت أن ترى العيوب جمة فتأمل عياباً، فإنه يعيب بفضل ما فيه من العيب. وأول العيب أن تعيب ما ليس بعيب. وقبيح أن تنهى عن مرشد، أو تغري بمشفق.
وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم، وإلا إصلاح فسادكم، وإبقاء النعمة عليكم ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم، فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم.
ثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا قبلكم، وشهرنا به في الآفاق دونكم. فما أحقكم في تقديم حرمتنا بكم، أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم، وتنبيهنا على ما أغفلنا من واجب حقكم فلا العذر المبسوط عرفتم ولا بواجب الحرمة قمتم ولو كان ذكر العيوب براً وفضلاً، لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك شغلاً. وإن من أعظم الشقوة، وأبعد من السعادة، أن لا يزال يتذكر زلل المعلمين، ويتناسى سوء استماع المتعلمين، ويستعظم غلط العاذلين، ولا يحفل بتعمد المعذولين.
عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي عجنه خميراً، كما أجدته فطيراً، ليكون أطيب لطعمه، وأزيد في ريعه. وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ورحمه - لأهله: أملكوا العجين، فإنه أريع الطحنتين.
وعبتم على قولي: من لم يعرف مواقع السرف في الموجود الرخيص، لم يعرف مواقع الاقتصاد في الممتنع الغالي: فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدل حجمها على مبلغ الكفاية، وأشف من الكفاية. فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء، وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء، وجدت في الأعضاء فضلاً على الماء، فعلمت أن لو كنت مكنت الاقتصاد في أوائله، ورغبت عن التهاون به في ابتدائه، لخرج آخره على كفاية أوله، ولكان نصيب العضو الأول كنصيب الآخر. فعبتموني بذلك، وشنعتموه بجهدكم، وقبحتموه.
وقد قال الحسن عند ذكر السرف: إنه ليكون في الماعونين الماء والكلأ. فلم يرض بذلك في الماء حتى أردفه بالكلأ.
وعبتموني حين ختمت على سد عظيم، وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة، ومن رطبة غريبة، على عبد نهم، وصبي جشع، وأمة لكعاء، وزوجة خرقاء. وليس من أصل الأدب، ولا في ترتيب الحكم، ولا في عادات القادة، ولا في تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، وخطير المركوب، والناعم من كل فن، واللباب من كل شكل، التابع والمتبوع، والسيد والمسود. كما لا تستوي مواضعهم في المجلس، ومواقع أسمائهم في العنوانات، وما يستقبلون به من التحيات. وكيف وهم لا يفقدون من ذلك ما يفقد القادر، ولا يكترثون له اكتراث العارف؟
من شاء أطعم كلبه الدجاج المسمن، وأعلف حماره السمسم المقشر! فعبتموني بالختم، وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق. وختم على كيس فارغ، وقال: طينة خير من ظنة. فأمسكتم عمن ختم على لا شيء، وعبتم من ختم على شيء.
وعبتموني حين قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج، لتجمع بين التأدم باللحم والمرق، ولتجمع مع الإرتفاق بالمرق الطيب.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا طبختم لحماً فزيدوا في الماء فإن لم يصب أحدكم لحماً أصاب مرقاً"...)).