العين والمخرز
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
الشعوب العزلاء المجردة من السلاح هي أشبه بالعين الطرية، والأنظمة الإبادية المتجردة من الإنسانية، كحال صدام وأشباهه، والتي تجمع حولها آلاف الرعاع والقتلة والمجرمين المستفيدين من بقائها والمدججين بأحدث الأسلحة، هم أشبه بالمخرز الذي لا يمكن للعين أن تقاومه، خاصة عندما يغمض العالم وقواه المؤثرة العين عن جرائم الأنظمة الإبادية، تجاه من يتظاهر ضدها، كما حدث في ثورة 14 محافظة ضد نظام صدام عام 91، بعد أن اعتقد، إذا لم نقل خُدع، المتظاهرون واقتنعوا أن هناك من سيتدخل لأجلهم، فتُركوا لمصيرهم المحتوم، ومعروف أن كل ثورة شعبية يتم إخمادها أو انقلاب عسكري يتم إفشاله، عبر تسريب أخباره، يمنح الأنظمة عشر سنوات على الأقل من الاستقرار والطمأنينة...
***
يظهر تاريخنا الحديث أن سقوط الأنظمة يمر إما بترك القيادات السياسية المعنية مواقعها طواعية، كحال الملك فاروق وزين العابدين بن علي إلخ.. وإما عبر تدخل عسكري خارجي مباشر، من قبل جيوش تعبر الحدود لتحرير الشعوب المظلومة والمقموعة، كما تم مع هتلر وموسليني ونورييغا وصدام والقذافي..
وإما التدخل الخفي لتحييد الأجهزة الأمنية في الدولة المعنية، كما تم مع شاه إيران والرئيس مادورو، ولو لم يتم مثل ذلك التدخل الخيّر لكان صدام أو أحد أبنائه الأكثر وحشية منه لايزال يحكمنا ويحكم شعب العراق المظلوم، ومن السخف الشديد والتناقض وازدواج المعايير القبول بذلك التدخل العسكري الخارجي إن كان يفيدنا بالكويت ويرفع الظلم عنا، كما حدث عام 1991، ورفضه واستنكاره إن كان يرفع الظلم والإبادة عن شعب آخر كحال الشعب العراقي عام 2003، أو الليبي 2011، أو الفنزويلي 2026، ممن تبلد الحس الإنساني لديهم بشكل سافر، وأدمنوا المزايدات المدفوعة الأثمان من مخادعهم الدافئة البعيدة...
***
آخر محطة:
1- لإيضاحٍ أفضل لنظرية العين والمخرز، من وثائق الغزو الصدامي للكويت التي نشرها مركز البحوث والدراسات الكويتية، أمر من جزار القادسية اللواء الركن بارق عبدالله بتاريخ 8/9/1990 لجميع القطاعات بعنوان مظاهرات، ضَمَّنه أنه وصلت إليه معلومات بأن الكويتيين سيتظاهرون غداً 9 سبتمبر (أيلول)، وبدلاً من تحذير الكويتيين من القيام بذلك العمل والتهديد بشدة العقوبات ضد المتظاهرين، ينص التعميم على معرفة مكان التظاهر وعدد المتظاهرين، ثم ترجُّل القوى الأمنية بعيداً عن مكان المظاهرة وإغلاق الطرق المحتملة لانسحاب المتظاهرين، ثم التقرُّب من المتظاهرين من الخلف بهدوء.. بهدوء.. بهدوء، أي مكررة ثلاث مرات، كما أتى في نص التعميم،
بعدها يتم الانفتاح بالنسق والرمي عليهم بوقت واحد (الرمي صلياً) للبنادق والرشاشات، وكذلك استخدام مدافع SPG9 والقاذفات الخفيفة وقاذفات اللهب لغرض قتل جميع المتظاهرين، ويمنع اقتراب أي شخص من المدنيين تجاه الذين تم قتلهم، وكانت منظمة العفو الدولية قد أصدرت منتصف التسعينيات صوراً من وثائق عمليات الأنفال، التي قام بها صدام عامي 87-88 ضد الأكراد، وبها تعليمات إبادية لا تقل وحشية عما سبق، فكيف يتوقع أحد من العين الطرية أن تقوى وتكسر المخرز؟! لست أدري!
2- مع انتهاء غزو الكويت بالهزيمة الماحقة لجيش صدام في موقعة أم الهزائم الخالدة، قام صدام بإعدام اللواء بارق عبدالله ولم يشفع له لقب بطل قادسية صدام الفارغ، بل أصبح وبالاً عليه حيث اتهمه الطاغية بأنه لم يحافظ على استحقاقات ذلك اللقب أي الموت لا الانسحاب، وكم من ألقاب أضرت بمن ادعاها...
*نقلاً عن "النهار" الكويتية.