دافوس: التأثير بلا شرعية

م. عبدالله عودة الغبين
م. عبدالله عودة الغبين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
11 دقيقة للقراءة

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، انشغل العالم بإيجاد آليات جديدة لتنظيم العلاقات بين الدول، لا لمنع حروب مدمّرة جديدة فحسب، بل لإدارة المصالح المتضاربة، ومعالجة القضايا العابرة للحدود مثل المناخ، الاقتصاد، والهجرة. نشأت منظومة متنوّعة من المؤتمرات والمنتديات الدولية، تختلف في طبيعتها وشرعيتها، لكنها تتقاطع في كونها فضاءات لإنتاج المعنى السياسي والاقتصادي العالمي.

تأسست الأمم المتحدة عام 1945، لتكون التعبير الأوضح عن رغبة المجتمع الدولي في حوار منظم وشامل. في عام 1955، اجتمعت 29 دولة آسيوية وأفريقية حديثة الاستقلال في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا، سعيًا لصياغة خطاب دولي مستقل يرفض الاستعمار والانحياز للمعسكرين الشرقي والغربي.

تطور المؤتمر لاحقًا إلى حركة عدم الانحياز التي ضمّت في ذروتها أكثر من 120 دولة. مع ذلك، فقدت هذه الحركة الكثير من زخمها بعد نهاية الحرب الباردة، وظل تأثيرها الفعلي محدودًا في النظام الدولي. كان خطابها سياسيًا وأخلاقيًا أكثر مما كان اقتصاديًا أو تقنيًا، مما حدّ من قدرتها على التأثير في بنية الاقتصاد العالمي ومؤسساته.

قبل ذلك بعقد، وتحديدًا في يوليو 1944، وقبيل انتهاء الحرب بعام، اجتمع مندوبون من 44 دولة في بلدة بريتون وودز الأمريكية لوضع أسس النظام المالي العالمي الجديد. أسفر المؤتمر عن تأسيس كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وربط العملات بالدولار الأمريكي. قاد الحوار وفدان من الولايات المتحدة وبريطانيا، في مشهد يعكس حوارًا اقتصاديًا غير متكافئ. ما زالت آثار هذا النظام قائمة إلى اليوم، خاصة في هيمنة الدولار، وسياسات الإقراض المرتبطة بشروط تقشفية فرضها الصندوق على دول الجنوب.

مع تعقّد المشهد الاقتصادي العالمي في السبعينيات، بدأت مجموعة السبع اجتماعاتها لتنسيق السياسات بين الاقتصادات الكبرى: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، كندا، واليابان. وعقب الأزمة المالية الآسيوية في الفترة 1997-1998، توسعت المجموعة عام 1999 لتشمل اقتصادات صاعدة، فكانت مجموعة العشرين التي ضمّت دولًا مثل المملكة العربية السعودية الصين ، الهند، والبرازيل، . تمثل هذه المجموعات حوارًا اقتصاديًا بين القوى الكبرى، يُبنى على الوزن الاقتصادي وليس على الشرعية التمثيلية. مجموعة العشرين تمثل نحو 85% من الناتج المحلي العالمي و75% من التجارة الدولية، إلا أنها تضم فقط 19 دولة من حوالي 200 دولة ، ما يُكرّس منطق “قوة الأمر الواقع”، حيث تُصاغ السياسات والقرارات داخل دوائر ضيقة، ثم تُعمّم على باقي العالم.

وفي بُعد أمني مواز، يُعقد سنويًا منذ ستينيات القرن الماضي مؤتمر ميونيخ للأمن، جامعًا قادة سياسيين وعسكريين، وخبراء في الأمن والدفاع لمناقشة القضايا الجيوسياسية. يعكس هذا المؤتمر الجانب الصراعي من الحوار الدولي، حيث تُناقش التحالفات العسكرية، النزاعات الإقليمية، والتهديدات الأمنية الجديدة، في إطار يعكس أولويات القوى العظمى.

تشترك هذه المنصات جميعها في أنها تعبيرات عن محاولات متعددة لإدارة النظام العالمي، بعضها يستند إلى الشرعية القانونية كالأمم المتحدة، وبعضها إلى القوة الاقتصادية كمجموعة العشرين، وبعضها إلى الثقل الجيوسياسي كميونيخ.

في خضم هذا المشهد المتشابك، برز المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس كنموذج مختلف يجمع بين السياسة والاقتصاد والفكر في فضاء واحد، دون أن يستند إلى سلطة رسمية أو حكومية.

تأسس المنتدى عام 1971 على يد الاقتصادي الألماني كلاوس شواب في بلدة دافوس السويسرية. لا يُعد المنتدى منظمة دولية رسمية، بل منصة حوار خاصة، غير ربحية، متعددة الفاعلين. يتميّز دافوس بطبيعته الشاملة، حيث يجمع قادة دول، رؤساء شركات كبرى تتجاوز عضويتها الألف شركة، أكاديميين، منظمات مجتمع مدني، وشخصيات مؤثرة. في نسخة 2024، شارك في المنتدى أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة، ونحو 3000 مشارك من 120 دولة.

يتبنى دافوس منذ تأسيسه مفهوم “رأسمالية أصحاب المصلحة”، الذي يرى أن على الشركات خدمة جميع الأطراف المتأثرة بعملها، وليس فقط المساهمين، ويشمل ذلك الموظفين، المجتمعات، البيئة، والاقتصاد الكلي. في دافوس 2020، أصدر أكثر من 120 مليارديرًا بيانًا يؤيدون فيه فرض ضرائب أعلى على الأثرياء لمواجهة عدم المساواة. يؤمن المنتدى بأن المشكلات العالمية المعقدة، مثل تغير المناخ والأوبئة والفقر، لا يمكن حلها من قبل الحكومات وحدها، بل تحتاج إلى تعاون ثلاثي بين القطاع العام، القطاع الخاص، والمجتمع المدني. يصدر المنتدى سنويًا تقرير المخاطر العالمية الذي يحدد التهديدات الأكثر إلحاحًا للعقد المقبل. في تقرير 2024، تصدرت المخاطر المرتبطة بالظواهر الجوية المتطرفة والتضليل الإعلامي القائمة، تليها الاستقطاب المجتمعي والأمن السيبراني، ما يعكس اهتمام المنتدى بالتحديات طويلة المدى.

على مدى العقود الماضية، ساهم دافوس في إطلاق بعض المبادرات الملموسة، منها على سبيل المثال التحالف العالمي للقاحات والتحصين عام 2000، الذي ساهم في تطعيم ملايين الأطفال في الدول الفقيرة. كما أطلق المنتدى عام 2020 منصة لزراعة تريليون شجرة بحلول 2030 كجزء من جهود مكافحة التغير المناخي. هذه المبادرات تُظهر أن دافوس يمكن أن ينتج عنه إنجازات فعلية، وإن ظلت محدودة مقارنة بحجم الطموحات المعلنة.

بيد أن قوة دافوس الحقيقية لا تنبع من القرارات الملزمة أو المعاهدات الدولية، فالمنتدى لا يصدر قوانين ولا يفرض سياسات، وإنما يؤثر بطرق أكثر نعومة وعمقًا. يُحدد دافوس ما الذي يستحق النقاش عالميًا من خلال صياغة الأجندة. مصطلحات مثل “الثورة الصناعية الرابعة”، “إعادة الضبط الكبرى”، و”العولمة 4.0” انطلقت من دافوس وانتشرت عالميًا. الحضور في دافوس يمنح شرعية رمزية، ويتنافس قادة العالم على فرصة التحدث فيه، لأنه ببساطة “يعني أن العالم يستمع”.

إلا أن هذه الإيجابيات تواجه انتقادات جوهرية. تبلغ تكلفة عضوية الشركات أكثر من 600 ألف دولار سنويًا، وتصل كلفة الحضور الفردي إلى 30 ألف دولار، مما يجعله “ناديًا للأثرياء” بامتياز. في نسخة 2023، كان نصف المشاركين من أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، بينما لم تتجاوز نسبة المشاركين من أفريقيا 5%. هذه التركيبة تعني أن الأجندة العالمية تُصاغ من منظور النخب الغربية والشركات الكبرى، وتُهمّش فيها أصوات الفقراء والمجتمعات المحلية في الجنوب العالمي.

والفجوة بين الخطاب والتنفيذ واضحة أيضًا. في دافوس 2020، تم التنديد بالانبعاثات الكربونية والحديث عن الاستدامة، بينما حضر المشاركون على متن أكثر من 300 طائرة خاصة، وفق تقديرات مطار زيورخ القريب. تُصدر منظمة أوكسفام سنويًا تقريرًا يكشف الفجوة المتزايدة في توزيع الثروة، حيث أظهر تقرير 2023 أن 1% من الأغنياء استحوذوا على ثلثي الثروة المنتَجة منذ 2020. رغم كل الحديث في دافوس عن العدالة والنمو الشامل، يبدو أن الواقع يسير في اتجاه معاكس، ما يثير تساؤلات حول جدية الالتزامات المعلنة.

كما أن المنتدى يعتمد في تمويله على الشركات الأعضاء، ما يطرح أسئلة حول استقلاليته. هل الأجندة تُحدد بناءً على الصالح العام، أم بناءً على ما يخدم مصالح الرعاة؟ عندما يتحدث دافوس عن “تنظيم الذكاء الاصطناعي”، من الذي يحدد ملامح هذا التنظيم؟ هل هم خبراء مستقلون، أم شركات التقنية العملاقة التي لها مصلحة في تنظيم خفيف لا يعيق أرباحها؟ وهذا يقودنا إلى سؤال الشرعية الديمقراطية: دافوس يملك تأثيرًا كبيرًا في صياغة الأجندة العالمية، دون تفويض شعبي أو آليات مساءلة واضحة.

على مستوى أعمق، يمكن قراءة دافوس كفضاء يتقاطع فيه ثلاث قوى: المال، التأثير، والمعرفة. السلطة هنا ليست سلطة قانون أو جيش، بل سلطة ناعمة تتمثل في تحديد ما هو “المشكلة العالمية”، ما الذي يُعتبر أزمة تستحق الاهتمام، وما الذي يُهمّش ويُعتبر ثانويًا. حين يناقش دافوس “مستقبل العمل”، فهو يركّز على التكنولوجيا والمهارات، بينما يتجاهل قضايا مثل الحقوق العمالية أو إعادة توزيع الثروة. الشركات الكبرى لا تموّل المنتدى فقط، بل تُسهم فعليًا في رسم أولوياته. تُطرح مفاهيم مثل “النمو الشامل” و”الاستدامة” كوسيلة لإعادة تجميل الرأسمالية أخلاقيًا. السؤال المطروح: هل هذا تحوّل حقيقي في بنية النظام الرأسمالي، أم محاولة ذكية لامتصاص النقد وإعادة إنتاج النظام بوجه أكثر قبولًا دون تغيير جذري في علاقات القوة والتوزيع؟

المعرفة التي ينتجها دافوس، من تقارير ومصطلحات وسرديات، ليست محايدة. ترتبط بمن يملك المنصة، ومن يحدّد الإطار المرجعي للتقدّم والمخاطر والاستدامة. تقرير المخاطر العالمية، على سبيل المثال، يعكس همومًا حقيقية وملحّة كالمناخ والأوبئة، إلا أنه في الوقت نفسه يعكس منظورًا معينًا للعالم. المخاطر المُدرجة هي تلك التي تهدد الاستقرار العالمي والنمو الاقتصادي بصيغته الحالية، بينما قد تُهمّش أو تُغيّب قضايا أخرى مثل الاستعمار الجديد، الهيمنة الثقافية، أو الظلم التاريخي في توزيع الموارد. بعبارة أخرى، دافوس ينتج معرفة مرتبطة بمصالح من يملكون المنصة، حتى لو كانت معرفة مفيدة وذات قيمة.

دافوس إذن ليس مؤامرة، وليس خلاصًا عالميًا. إنه مرآة مكثفة لاختلالات النظام الدولي: تفاوت القوة، والثروة، والمعرفة، والتأثير. وهو، في الوقت ذاته، محاولة لإدارة هذه الاختلالات دون معالجتها جذريًا. المقارنة تصبح أوضح الآن: الأمم المتحدة تمثل الشرعية بلا قوة كافية للتنفيذ، ودايفوس يمثل التأثير الفكري والسياسي بلا مساءلة مباشرة.

من منظور عربي، يكشف دافوس عن فجوة واضحة بين المشاركة والفاعلية. هذه الفجوة تعكس نمطًا أوسع: اندماج اقتصادي متزايد مع النظام العالمي، مقابل تبعية مفاهيمية وفكرية. الدول العربية تستورد نماذج تنموية جاهزة مثل المدن الذكية والاقتصاد الأخضر والابتكار، دون تكييفها بعمق مع السياقات المحلية أو بناء نماذج أصيلة تعكس التجربة الحضارية للمنطقة. الخطاب العربي في دافوس غالبًا ما يكون دفاعيًا: الدفاع عن الخصوصية الثقافية، عن النموذج التنموي الخاص، عن الموقف من قضية معينة، بدل أن يكون تأسيسيًا يُنتج خطابًا عالميًا من موقع حضاري مستقل يطرح بدائل للعدالة، للتنمية، للعلاقة بين الإنسان والطبيعة.

التحدي العربي الحقيقي لا يكمن في زيادة التمثيل العددي في هذه المنصات، بل في القدرة على إنتاج معنى عالمي من موقع حضاري مستقل. هذا يتطلب أولًا تأسيس مراكز بحث مستقلة قادرة على إنتاج تقارير ودراسات توازي في جودتها ومصداقيتها ما تنتجه المؤسسات الغربية، مراكز تدرس المخاطر العالمية من منظور الجنوب وتطرح حلولًا بديلة. ثانيًا، تطوير مفاهيم نابعة من التجربة العربية التاريخية والمعاصرة، بدل استيراد مصطلحات جاهزة تُفرض علينا كأطر نهائية للتفكير. ثالثًا، بناء تحالفات استراتيجية مع دول الجنوب الأخرى في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا لطرح أجندة بديلة في المحافل الدولية، وإحياء روح باندونغ بأدوات القرن الحادي والعشرين وبرؤية اقتصادية واضحة هذه المرة. رابعًا، الاستثمار الجاد في رأس المال البشري، بتكوين جيل من المفكرين والخبراء والدبلوماسيين القادرين على التأثير الفكري، لا فقط على التفاوض التقني أو الترويج للمشاريع. وأخيرًا، المشاركة النقدية الفاعلة في دافوس وغيره من المنصات، بموقف مستقل ورؤية واضحة، لا بموقف المستهلك السلبي للأجندات الجاهزة.

الهدف النهائي ليس الانسحاب من النظام العالمي أو رفضه كليًا، بل المساهمة الفاعلة في صياغة أسئلته الكبرى، لا الاكتفاء بالإجابة عن أسئلة صاغها غيرنا ضمن أطر محددة سلفًا. حين يسأل دافوس: “كيف نُحسّن الرأسمالية وندفعها نحو مزيد من الاستدامة؟”، يجب أن يكون السؤال البديل الذي نطرحه: “ما النماذج الممكنة خارج هذا الإطار؟ ما البدائل الحضارية للتنمية والعدالة والعلاقة بالطبيعة؟ وكيف نبنيها بشكل عملي ونجعلها قابلة للتطبيق عالميًا؟” هذا هو جوهر التحدي الحضاري الذي نواجهه اليوم، تحدٍ لا يقتصر على الحضور في الفضاءات العالمية، بل يمتد إلى القدرة على إعادة تشكيل هذه الفضاءات نفسها من موقع الندية الفكرية والثقة الحضارية. المملكة العربية السعودية - كقائدة للعالم الإسلامي - تملك الموروث الحضاري العربي الإسلامي العظيم الذي يمكن طرح نماذج منه ممكنة التطبيق في عالم اليوم وبكل ثقة في مثل هذه المنتديات العالمية. نماذج مبتكرة تعتز بالموروث القيمي وتتماهى مع الحداثة ومتطلبات العصر : نماذج للتنمية، الاقتصاد والتمويل ، والحفاظ على البيئة، والمسؤولية الاجتماعية للشركات، والعدالة الاجتماعية وغيرها كثير.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط