رمضان وغزّة والتبرعات
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
جمع التبرعات خارج إطار الدولة مسألة إشكالية معقدة تكشفت مخاطرها في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع عصر الفضائيات ثم مواقع التواصل والتي سمحت بإجراء تحويلات رقمية محدودة لكنها تشكل في المجموع العام خزانة متحركة، فهي قد لا تصل بالضرورة نحو طريقها المعلن أو الذي جُمعت من أجله، وهي في حالة غزة مسألة استثنائية، فالشاهد الزمني القريب تناول اختفاء مئات الملايين، وأخرى ضلت طريقها بعدما استخدمت وسيلة خطابية عبر بعض الدعاة الذين يجيدون تقديم النصح للمتبرعين غير أنهم لا يجيدون عد المال ولا معرفة طريقه الأخير، ما يعني أن استغلال الدعاة في جمع المال خارج المؤسسات الرسمية فيه ما فيه، وعليه من الشك والسؤال.
هناك فرق كبير بين مسألة التبرعات المنقولة، وبين تلك التي يتم صرفها في الجوار عبر صلاة الرحم والجار القريب والبعيد، وهذه من صميم العقيدة الإسلامية، ثم إن المال المنقول كان أصلاً بين يدي ولاة الأمر ومن ينوب عنهم إلى أن ظهرت جماعة الاخوان، فأحدثت محدثات كثيرة، كان أبرزها جمع المال بهدف إسناد فكرة انشاء كيانية بجانب الدولة، وهذا هو جوهر الخطر عبر التبرعات المستحدثة المنقولة، لأنها قد تؤسس في الظل سلطة، والمال سلطة، وإذا ما اختلط المال بالسلاح أنتج نزيف الدم، وهنا كانت إشكالية الانقسام في غزة، والذي أخذ المشهد الفلسطيني في غزة نحو كارثة القرن.
ومع عجز جماعة الإخوان عن جمع المال العلني للجماعة ومفاصلها، تحولت الجمعيات الخيرية بمثابة غطاء آمن، ومنها ما تكشف سابقاً في قصة نصف المليار التي جمعت على عنوان غزة وأثارت جدلاً حول عدم وصولها، وهناك تحقيقات في شبهات تمويل واعتقالات في دول أوروبية منها هولندا، بالتالي تبقى إشكالية الموسم الرمضاني أن ثمة من يستغله فرصة احتيالية، على شاكلة " قروش الإخوان القليلة" التي كان يتحدث عنها حسن البنا في معرض حديثه عن جمع المال.
من المهم أن ندرك، ان الدول العربية تحملت الأعباء المالية تجاه منظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأتها، وحافظت على كرامة الانسان الفلسطيني حيث تمكنت من الوصول إليه على مدار عشرات السنين الماضية، وهي التي أعادت إعمار غزة مرات ومرات خلال الحروب الماضية، بالتالي لم يحدث أن انهار الشعب الفلسطيني للتسول في الطرقات، ولم يحدث أيضاً أن قامت جماعة الاخوان بتمويل شيء من ذلك، حتى ان المشاريع التي كانت تنفذها منظمات دولية في غزة، كان يتم ذلك بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، التي بقيت منذ الانقسام في عام 2007 تؤدي وظيفتها وبدعم عربي في دفع مرتبات موظفي الدوائر الحكومية في غزة وكامل المؤسسات الاجتماعية هناك، يضاف الى ذلك أن إسرائيل كانت تقتطع ثمن الكهرباء والماء من أموال ما يعرف بالمقاصة وهي الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية، ومع ذلك كانت حماس تجبي فواتير الكهرباء والماء مع أنها مدفوعة، ولم تدفع سوى مرتبات موظفيها الذين استحدثتهم بعد الانقسام.
بالتالي إن مسألة الحقائب المالية الجانبية عبر غطاء التبرعات قد لا تساهم بالضرورة في إدارة المشهد الإنساني الراهن، فالأموال عبر الحقائب الجانبية ساهمت في بناء الأنفاق ودخول السلاح إلى بقعة جغرافية ضيقة جداً لا تصلح للحرب، ووصل الأمر إلى ما هي غزة فيه وعليه الآن، وما قاله سابقاً القيادي خليل الحية في خطاب علني مسجل " مال حماس لحماس وما يأتينا من تبرعات يكفينا.." يبقي نقطة إشكالية هي ضمن دائرة التمويل السياسي، بالتالي هناك فرق كبير وشاسع بين التمويل السياسي وبين ما ينقذ الناس الذين ينتظرون في العراء، فإذا كانت إزالة الأنقاض فقط قد تستمر سبع سنوات بحسب ما أُعلن فكم هي قسوة الواقع، الذي يتطلب إدارة واعية، وعدم منح إسرائيل الذرائع لاستمرار حالة التضييق على الأهالي، خصوصاً ما نشهده هذه الأيام من عودة مظاهر الجوع والتي ترافقت مع إطلالة شهر رمضان، حيث عمدت إسرائيل على تقليص دخول المساعدات الإنسانية بشكل حاد، مترافقاً ذلك مع خطاب إسرائيلي يشير الى أن حماس تستعيد قوتها، بمعنى أن سياسة التجويع تأتي في وقت جدلية السلاح وبقاء حماس وسلاح حماس.
بعيداً عن كل ذلك، فالإخوان لا يعنيهم من المشهد سوى استغلال المتاح لإسناد إمبراطورية مالية خلال رمضان على حساب آلام الناس.