قطع رأس الأفعى
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
منذ انطلاق العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد النظام الإيراني، تبنت كبريات المؤسسات الإعلامية الأمريكية خطاباً يغلب عليه التوجس الممنهج، حيث ركزت منصات مثل سي إن إن و نيويورك تايمز و واشنطن بوست على تصدير إطار الأزمة العالمية الوشيكة، مع التركيز المكثف على تداعيات اضطراب أسواق النفط والمخاطر الإقليمية، في مقابل تهميش الجدوى الاستراتيجية لعملية طال انتظارها.
ويبدو أن هذه النبرة المتشائمة لا تنبع فقط من القلق الجيوسياسي، فهي ترتبط بنيوياً بحالة الاستقطاب الحاد والعداء التاريخي بين الإعلام الليبرالي والرئيس ترامب؛ حيث تُسخر هذه الوسائل أدواتها لتصوير أي تحرك للإدارة الحالية كمغامرة غير محسوبة خشية أن يتحول أي نجاح عسكري ملموس إلى رصيد سياسي يعزز شعبية ترامب.
الحقيقة التي تتغافل عنها الصحافة الأمريكية، في غمرة انشغالها بحساب الخسائر اللحظية، هي أننا بصدد تفكيك أخطر مشروع نووي على وجه الأرض. وما نشهده اليوم يتجاوز مفهوم الحرب التقليدية إلى عملية جراحية لاستئصال تهديد وجودي كاد أن يفتك بالنظام العالمي انطلاقاً من الشرق الأوسط. ورغم تفهمنا لتوجس العقل الجمعي الأمريكي المسكون بكارثية حرب العراق وقبلها فيتنام، إلا أن هذا التحرك العسكري يظل واحداً من أكثر القرارات مصيرية في تاريخ المنطقة والعالم وهم يعلمون ذلك.
تتبع التغطية الحالية سيناريو مكرراً؛ فهي تتعامل مع كل ضربة دقيقة لمراكز قيادة الحرس الثوري وكأنها انتكاسة للسلام، وتصور التقلبات الاقتصادية كأزمة وجودية للغرب. فمثلا عناوين في السي إن إن "هذه سبعة عناصر تجعل نجاح ترامب مستحيلاً!" أو المسار المتهور و حرب الاختيار التي انتشرت في وسائل الإعلام. كما كانت العناوين الاقتصادية حاضرة بحدة، مثل: كيف يمكن أن تدمر الحرب الاقتصاد العالمي؟ وتغيير التحالفات وتوقف الحياة في دول الخليج، والحديث عن مستنقع جديد؛ وكل ذلك في محاولة واضحة لعرقلة أي حسم عسكري ضروري.
تتجاوز هذه الروايات حدود التشاؤم وباتت تفتقر في جوهرها إلى النزاهة المهنية، إذ تخضع لاعتبارات أيديولوجية وحسابات انتخابية ضيقة تفرضها أجواء الانتخابات النصفية المرتقبة في أمريكا.
يركز الإعلام اليوم على نهاية عهد الدبلوماسية وبداية عصر الحروب ، ويسقطون عمدًا أن تلك الدبلوماسية لم تكن سوى الستار الذي استخدمه الملالي لعقدين من الزمن للوصول إلى حافة التخصيب بنسبة 90% للوصول إلى السلاح النووي. وفي تقديري كانت الدبلوماسية التي تبناها الديمقراطيون هي المخدر الذي حقنه النظام في وريد المجتمع الدولي ليتمكن من بناء سلاحه النووي بصمت.
يكشف ارتباك الخطاب الديمقراطي تجاه العملية العسكرية الحالية عن أزمة أعمق من الخلاف على السياسة الخارجية. فبينما ينعون الاستقرار المفقود في المنطقة ، يتجاهلون تغاضيهم الطويل عن اختراقات طهران للخطوط الحمراء. والواقع يؤكد أن هاجسهم الحقيقي ليس التصعيد العسكري، إنما الارتفاع السياسي لأسهم ترامب ، إذ يدركون أن نجاحه في تحييد التهديد الإيراني، قياساً بنجاحه في كاراكاس، سيمنح الجمهوريين تفويضاً شعبياً مطلقاً في الانتخابات النصفية المقبلة وحتى الرئاسية. وأكد ذلك ما قاله ترامب عن قصة اتصال رئيس سابق خلال الأيام الماضية، أبلغه فيها أنه كان يتمنى أن يفعل ما فعله ترامب ضد إيران.
تسعى الدوائر الإعلامية والسياسية الليبرالية إلى توظيف الارتفاع المؤقت في أسعار الوقود، الذي ناهز 5 دولارات للجالون، لتحفيز حالة من الاستياء لدى الناخب الأمريكي، مع إغفال حقيقة أن هذه الكلفة تمثل في جوهرها بوليصة تأمين استراتيجية ضد عالم تبتز فيه إيران أمن الطاقة العالمي بسلاح نووي. وفي تقديري، يراهن الديمقراطيون على اللعب على وتر القلق الاقتصادي لدى الناخبين، وهو رهان قد ينجح ، إلا أن التاريخ سيشهد أن ترامب آثر أمن الأجيال القادمة على حساب أرقام الاستطلاعات.
الحقيقة الاستراتيجية في الشرق الأوسط وهي ما يصفه المحللون هناك بالفوضى نسميه نحن تدهوراً ضرورياً لقدرات النظام الإيراني. المنفعة الكبرى التي تُطمس تحت وطأة تقارير أسعار النفط هي المنع الدائم لامتلاك إيران سلاحاً نووياً ومنعها من الهيمنة على مقدرات المنطقة. بقاء البنية التحتية للصواريخ والسلاح النووي للحرس الثوري يعني حكماً بالإعدام على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وإطلاق سباق تسلح مرعب من أنقرة إلى الرياض، وربما حرباً مدمرة ستدفع الاقتصاد العالمي إلى الانهيار ، لذا فإن ما نشهده اليوم هو عملية إنقاذ للعالم من ابتزاز نووي أبدي كان سيجعل أمن العالم رهينة لنظام ثيوقراطي متطرف.
أما أهم الأساطير التي تروجها وسائل الإعلام المتعاطفة مع الديمقراطيين فهي أسطورة الحرب التي لا تنتهي، وفي الحقيقة، هذه ليست محاولة لإحتلال دولة أو تغيير ثقافتها، إنها مهمة نزع سلاح محددة الأهداف، وإن انتهت بسقوط النظام فهو بسبب تعنته ورفضه لكل الحلول الدبلوماسية التي تفضي إلى نزع قدراته النووية.
الهدف اليوم هو التدمير المادي لآلة تصدير الإرهاب، وليس البقاء في طهران، وقد أعلن الرئيس ترامب، وحتى إسرائيل، أن كل الأهداف قد تحققت، وأن التغيير سيأتي على أيدي الشعب الإيراني.
أما المزاعم الثانية أن الحرب تزعزع استقرار المنطقة، وهي مغالطة تتجاهل حقيقة أن إيران هي من أشعلت المنطقة باستهداف 12 دولة بالصواريخ والمسيرات، وأن الإقليم يرزح تحت فوضى ممنهجة منذ عقود بفعل الأذرع الإيرانية في اليمن والعراق ولبنان. لقد بلغت هذه الفوضى ذروتها في سوريا حين استُخدم السلاح الكيماوي ضد الأبرياء بمباركة طهران وصمت إدارة أوباما.
وحدها كانت السعودية تخوض حرباً ضروساً نيابة عن العالم بأسره لحماية شريان التجارة الدولية من هيمنة الحوثيين ومنع تمدد الميليشيات لبقية العواصم العربية. وبالتالي، فإن الرأي العام في المنطقة يميل إلى ضرورة قطع رأس الأفعى وهو القرار الكفيل بإنهاء عصر الميليشيات وتفكيك إمبراطورية الفوضى إلى الأبد.
وتتمحور المغالطة الثالثة بالتكلفة الاقتصادية نعم، هناك نوع من المرارة الشديدة في المنطقة بسبب استهداف منشآت النفط والمرافق الحيوية وتعطيل مضيق هرمز على أيدي النظام الإيراني، لكنها عملية رابحة على المدى الطويل إذا ما قورنت بتكلفة استيقاظنا غداً على عالم يمتلك فيه هذا النظام السلاح النووي ويهيمن على مقدرات المنطقة.
ختاماً، لن يحكم التاريخ على هذه اللحظة بناءً على تذبذبات مؤشر داو جونز أو تريندات التواصل الاجتماعي وتجاوز أسعار النفط عتبة التوقعات، سيكون المعيار الوحيد هو هل نجحت الحملة في منع أكبر دولة راعية للإرهاب من الحصول على السلاح النووي وتحطيم قدراته العسكرية الخطيرة للأبد؟
لقد كانت المنطقة تخشى سابقاً من سقوط النظام وما سيعقبه، لكن بعد الاعتداءات الإيرانية، ينبغي لها أن تفكر جدياً في كيفية إنهاء هذا العدوان للأبد؛ أما اليوم التالي في إيران فهو مهمة الشعب الإيراني المحب للحياة.
قد يستمر الإعلام في الحديث عن الأضرار الجانبية كفرصة لضرب ترامب والجمهوريين، ولكن بالنسبة لمن ينظرون بمنظور حسابات الربح والخسارة في الشرق الأوسط ، فالمنفعة واضحة كالشمس حيث يجري اليوم استبدال موسم مؤقت من الاضطراب بقرن من الأمن.