المسكوت عنه والمنطوق به
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
تشغلنى منذ سنوات طبيعة العلاقة بين ما يقال وما لا يقال خصوصًا أن لى ولاءً شديداً لإعطاء المواطن المصرى فى الشارع حقه من المعلومات والمعارف التى تمس حياته ومستقبل أجياله القادمة، ولقد لاحظت خلال عملى فى مؤسسة الرئاسة لما يقرب من ثمانى سنوات متصلة أن عملية حجب المعلومات عن العامة مبالغ فيها، وأن هناك إسرافاً فى استخدامها، فالأمر الذى لا جدال فيه والذى نشترك جميعًا فى التسليم باحترامه هو أن المعلومات المتصلة بالأمن القومى والأخبار التى لا تعنى المواطن العادى قد تكون حقًا مطلقًا لولى الأمر وصاحب القرار ولكن الاستطراد فى ذلك بغير مبرر هو حجب كامل للحقيقة ذاتها وتحويل لماهو جزء من المنطوق به إلى خانة المسكوت عنه.
فإذا كانت المعلومات الذهبية المتصلة بمقومات الدولة وأسرارها العسكرية والمدنية هى أمور لاتقبل الجدال، ولا يتم فيها التداول، لأنها تمس مباشرة سيادة الدولة واستراتيجيتها البعيدة ومواقفها التى قد تكون محل دراسة لم تكتمل، لذلك فإننى مع السرية التامة فيما يحمله المسئول من أمانة الكلمة وقداسة الخبر المرتبطين بالسياسات العليا والمصالح القومية، وقد أتاحت لى فرصة عملى بمؤسسة الرئاسة بشكل شخصى غير بعيد عن صانع القرار والرجل الأول فى الدولة أن أعرف من المعلومات مالايقال ومن الحقائق ما لا يجب التفريط فيه، ورغم أننى لا أهوى الإفراط فى السرية بدون مبرر والمبالغة فى الكتمان بلا وعى إلا أننى أحمد الله بينى وبين نفسى أننى أعرف بعض ما لا يقال، وما يجب أن يظل حبيس صدرى حتى الوصول إلى قبرى، لأنها أمانات حملتها وأمور أؤتمنت عليها، وليس من حقى ولا حق غيرى ممن لاتعنيهم تلك الأمور أن تكون محل تداول بينهم تلوكها الألسنة وترددها الأفواه، ولقد كان الرئيس الراحل مبارك يقول لى دائمًا إنك تبدو كراكب مراجيح الهواء مرات معنا ومرات علينا، وقد كان ذلك صحيحًا مائة فى المائة لأننى كنت أتعاطف مع الرأى المعارض إذا وجدت له قيمة مختلفة وأنظر له من زاوية مستقلة، كما كان يقول لى رحمه الله إنك متحدث علنى ولست كتومًا بالدرجة المطلوبة، وهذا صحيح أيضًا لأننى لا أميل إلى الانغلاق الكامل غير المبرر، وإعطاء الذات هالة من الصمت الساذج الذى قد يفسره البعض أنه نوع من الشروط المطلقة لمن يتحمل مسئولية كبرى، خصوصًا إذا كانت مسئولية عامة ورسالة وظيفية تقوم على تكليف محدد أو تفويض لا خروج عنه، وأنا شخصيًا أحمل فى ذاكرتى مخزونًا من المعلومات التى لاتؤثر فى مسار الأحداث حاليًا، ولكنها كانت فى وقتها مفاتيح للفهم والمعرفة ومصادر موثوقة للخبر، ومازلت أكرر أننى ضد الإسراف فى إيجاد هالة من السرية التى تحجب عن المواطن حقه الطبيعى فى المعرفة ودوره الممكن فى اتخاذ القرار الذى يتصل به أو ينعكس عليه.
وقد كان أستاذى الراحل أسامة الباز يقول لى إنك رغم كونك متحدثا منفتحا فإنك تستطيع أن تحجب ماتريد صيانة لمستقبل الوطن واحترامًا لأصحاب القرار، فالمسكوت عنه تصنعه حدود واضحة وتحدده قواعد ثابتة تفرق بين المحظور والسرى للغاية والسرى فقط والمتداول، ونحن متهمون فى مصر بأننا شعب ثرثار ويتحدث الجميع عن النادرة الشهيرة التى وقف فيها محصل الأتوبيس قائلاً (الآن محطة المطار السري!) وهذه بالطبع سذاجة مطلقة وطيبة مفرطة لا تصلح مع المواقع الحساسة ولا مع الأخطار المسكوت عنها، ذلك أن إفشاء مثل هذه المعلومات يشكل ضررًا بليغًا على الأمن القومى ومصالح البلاد والعباد، أما أن يتحول المسئول إلى رجل صامت طوال الوقت لا يراه الناس إلا فى مناسبتين إذا كان وزيرًا أحداهما عند أداء اليمين والثانية عند التوديع فتلك خطيئة كبيرة، ولقد كتب صديقى الأديب الشاعر فاروق جويدة حول هذا المعنى فى أحد مقالاته الأخيرة، فالمسئول يجب أن يختلط بالناس، وأن يتعامل مع الآخرين، وأن يندمج فى المجتمع بشكل متوازن لا أن يحلق بعيدًا مع أوهام الموقع وهالات المنصب.
إن خلاصة ما أريد أن أقوله من هذه السطور شديدة التأثير بالغة الأهمية، هو أن المسئول العام ينبغى أن يوازن بأمانة ووعى شديدين بين ماهو حق للحجرات المغلقة وبين ما يجب أن يكون مكفولاً للعامة بحيث يسمح بوجود الرأى والرأى الآخر ويتيح حدوث حوار مجتمعى يتداوله أهل الخبرة حتى وإن لم يكونوا أهل المنصب، فالمعلومة المتاحة دون قيود وبلا ضرر هى حق مكفول للمواطن العادى فى كل الأوقات.. افتحوا النوافذ وتعلقوا بالحقائق وتذكروا أن الأوطان مسئولية الجميع بغير استثناء.
*نقلاً عن "الأهرام".