الجغرافيا حين تتراجع.. وقراءة في «دفاتر» السقوط
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في لحظة فارقة، بدت فيها الجغرافيا وكأنها تتراجع خطوة إلى الوراء ليفسح المكان للمدى الاستراتيجي أن يتقدم ويفرض سطوته، تجلّت إرادة الدولة في أبهى صورها حين حوّلت المسافات الشاسعة من عائق إلى مسرح للوصول؛ ففي هذا السياق تحديدًا، لم يكن خبر إلقاء القبض على القيادي في حركة «حسم» الإرهابية، على عبدالونيس، واقتياده من غياهب العمق الأفريقي إلى قلب القاهرة، مجرد سطر عابر في نشرة أخبار مسائية، ولا هو بالعملية الأمنية التي تُضاف فحسب إلى سجل النجاحات الإجرائية التقليدية؛ بل كان -في يقيني- حدثًا كاشفًا بالمعنى التاريخي والسياسي الكامل للكلمة، عن طبيعة معركة وجودية تدور رحاها منذ سنوات بين الدولة المصرية وتنظيم ضلّ الطريق، فاختار بوعي كامل أن يقامر بمصير وطن عبر أسلحة العنف المنظم وسيناريوهات الفوضى المحسوبة.
نحن هنا، وأمام هذا المشهد، لا نتحدث عن مجرد رجل جرى تتبعه والقبض عليه، بل نتحدث عن «ملف كامل» انفتح دفعة واحدة ليضعنا أمام حقائق مذهلة؛ ملف يكشف كيف فكّر هذا التنظيم، وكيف خطط، والأهم من ذلك: كيف أخطأ الحسابات.
إن عملية استعادة «عبدالونيس»، من حيث توقيتها ودلالة مكانها، تحمل رسالة تتجاوز شخصه لتستقر في روع كل من توهم الحصانة بالبعد؛ ومفادها أن الجغرافيا لم تعد ملاذًا آمنًا، وأن المسافات -مهما اتسعت في الخيال التنظيمي- قد فقدت معناها أمام إرادة الدولة حين تقرر «الوصول». ومن هذه النقطة المركزية، يمكننا أن نفهم ما جرى، لا باعتباره نهاية لقصة فرد، بل بوصفه البداية الحقيقية لقراءة جديدة وعميقة لقصة «سقوط مشروع».
لقد حاولت حركة «حسم»، بوصفها الذراع المسلحة لجماعة الإخوان، أن تُطبق على أرض الواقع ما يمكن تسميته «نظرية إنهاك الدولة»؛ وهي نظرية مستلهمة بظلالها القاتمة من أدبيات «إدارة التوحش» التي صاغها الإرهابي أبوبكر ناجي، والفكرة في جوهرها، رغم تعقيداتها، تبدو بسيطة وخطيرة: فالهدف ليس إسقاط الدولة بضربة قاضية واحدة، بل استنزافها تدريجيًا، وإرباك أجهزتها، وإرهاق ميزانيتها، وفصم عرى الثقة بينها وبين مواطنيها، وصولًا إلى «لحظة السيولة» التي تنهار فيها السلطة وتسمح بظهور البديل الجاهز وسط الركام.
غير أن ما جرى على الأرض المصرية، وبتخطيط أمني رفيع، جاء على نقيض هذا التصور تمامًا؛ فبدلًا من أن تُنهك الدولة، «أنهك التنظيم نفسه». والضربات الأمنية لم تكن مجرد ردود فعل انفعالية، بل كانت في جوهرها «استباقًا محسوبًا»؛ تمثل في استهداف شبكات التمويل قبل أن تتحرك السيولة، وقطع خيوط الاتصال قبل أن تكتمل الدائرة، وتفكيك الخلايا قبل أن تضغط على الزناد. ومع مرور الوقت، وجد التنظيم نفسه عاجزًا عن «المبادأة»، منتقلًا إلى حالة «الدفاع اليائس»، يلهث فقط للحفاظ على ما تبقى من أطلال تماسكه. وهنا سقطت الفرضية الكبرى التي قام عليها المشروع الإخواني برمته: وهي أن الدولة المصرية كيان هش يمكن استنزافه بمرور الأيام.
والأخطر من ذلك، أن اعترافات على عبدالونيس، بما صاحبها من تدفق للمعلومات والوثائق، قد أسقطت القناع الأخير الذي طالما حاولت الجماعة التحصن خلفه لسنوات؛ وهو وهم «الفصل الوظيفي» بين ما يسمى بالعمل السياسي والعمل المسلح. أو ما يُقال عن الصقور والحمائم، لقد كشفت الوقائع أن هذا الفصل لم يكن سوى «توزيع أدوار» مدروس؛ فالأسماء التي كانت تُقدم في الخارج كوجوه سياسية «معتدلة» -وفي مقدمتها حلمي الجزار- ظهرت في دفاتر التحقيق بسياق مختلف تمامًا؛ سياق يربط برباط لا ينفصم بين غرف القرار السياسي «الناعم» وغرف العمليات الميدانية «الخشنة». لم تكن الرصاصة منفصلة عن الكلمة، بل كانت «امتدادًا عضويا» لها، وكان التحريض الإعلامي الذي مارسته منصات مثل «ميدان» وأصوات كمصطفى عبدالرازق، جزءًا أصيلًا من «منظومة تشغيل» تهدف لتهيئة المناخ النفسي والاجتماعي لقبول الفوضى.
وفي هذا السياق، يبرز تحول لافت في استراتيجية التجنيد؛ حيث لم يعد الاعتماد مقصورًا على البيئات الهشة أو المهمشة، بل امتد لما يمكن تسميته ب«التجنيد النخبوي». كان منها استقطاب عناصر ذات مكانة اجتماعية وقدرات مالية، مثل نموذج مصطفى فتحي، لتوفير غطاء مدني وشبكات دعم معقدة تتجاوز الرصد التقليدي. وهنا تغير «وجه الخطر»؛ فلم يعد الإرهاب يرتدي ملامح البؤس فقط، بل صار قادرًا على ارتداء «البدلة الأنيقة» والتحدث بلغة هادئة داخل دوائر تبدو ظاهريا بعيدة عن كل شبهة.
لكن ذروة الانكشاف تكمن فيما كشفته الاعترافات عن طبيعة العلاقات العضوية بين «حسم» وتنظيمات أكثر غلواً، وعلى رأسها تنظيم «المرابطون»، الذي أسسه الهالك هشام عشماوي، نحن هنا أمام «نقطة تحول» استراتيجية؛ لم يعد الأمر يتعلق بتنظيم يعمل ب«منفرد»، بل ب«شبكة عابرة للأيديولوجيا» تتقاطع فيها المسارات حين تتوحد الأهداف. فالإخواني يلتقي مع السلفي الجهادي على أرضية واحدة هي العمل على «إسقاط الدولة». وقد أظهر هذا التنسيق -خاصة في معسكرات التدريب الخارجية- أن «حسم» كانت تسعى للتحول من «العمليات المحدودة» إلى بناء قوة قادرة على «المواجهة شبه النظامية»، مستعينة بخبرات قتالية وصواريخ مضادة للطائرات لا تتوافر إلا في ساحات الحروب المفتوحة.
لكن هذا المشروع الضخم انهار قبل أن تكتمل لبناته؛ فكان سقوط «عشماوي» ضربة قاصمة في يد الأمن المصري، ثم سقوط «عبدونيس»، وكلاهما جُيء به من ملاذات ظنّوها آمنة، لتكون الضربة التي كشفت ما تبقى من الخيوط السرية. فانفرط العقد، وتكشفت الشبكة، وظهر أن ما بدا يومًا «بناء متماسكًا»، كان في حقيقته هشًا أكثر مما تصور أصحابه أنفسهم.
وفي المحصلة، تبرز حقيقة هي الأهم في هذه المعركة الطويلة: وهي أن الأمن وحده، برغم ضرورته، لا يكفي؛ فالمعركة في جوهرها كانت ولا تزال «معركة وعي». إذ إن التنظيمات لا تعيش بالسلاح وحده، بل تعيش بالأفكار والقدرة على خلق «بيئة حاضنة» أو متعاطفة. وهنا كان الرهان الأكبر للدولة المصرية قائمًا على أن يدرك المجتمع الفرق الجوهرى بين النقد المشروع والهدم المنظم، وبين التعبير عن الرأي والتحريض المقصود على الفوضى. هذا الوعي كان هو «الحائط» الذي تحطمت عليه طموحات التنظيم.
إن النهايات التي نشهدها اليوم لرموز هذا المسار -من مطاردة، إلى سقوط، وصولًا إلى اعترافات وندم وبكاء- لم تكن مفاجئة للمراقب المدقق؛ بل هي النتيجة المنطقية لمسار بدأ ب«وهم السيطرة» وانتهى ب«الاصطدام بالواقع». فالرهان على إنهاك الدول يبدو سهلاً في بطون الكتب، ولكنه مستحيل حين يصطدم بدولة تعرف كيف تحمي نفسها ب«العقل» قبل «السلاح». والآن، تتبقى الخلاصة الأعمق التي يجب أن نستوعبها جميعًا: أن الأوطان لا تسقط حين تُخترق حدودها الجغرافية فحسب، بل تسقط حين يُخترق «وعي أبنائها»؛ وحين يظل هذا الوعي يقظًا وحاضرًا، تبقى الدولة، برغم كل العواصف، أقوى بكثير مما يتصور خصومها.
*نقلاً عن "الوطن".