حماس "زهرة الأفيون"

أيمن خالد
أيمن خالد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

اصطفاف حماس إلى جانب إيران كان أمراً طبيعياً، ومسألة توصيف الحركة بين صقور وحمائم فهذا فيه كلام، فالحركة كتلة واحدة موحدة تتساوى في داخل بنيتها مسألتان وهما الفكرة الدعوية الإخوانية والفكرة المستمدة من الثورة الإيرانية، بالتالي هي مولود هجين منذ النشأة عقيم في العاقبة، لا تستطيع أن تفصل نصفه الإيراني عن النصف الإخواني وما يربط بين النصفين معاً هو منهج التقية وفيه يحدث التيهان عما بداخلها إذا تمت رؤيتها من بعيد. وأما توصيف الحركة بين صقور وحمائم فهذه مظنة غير وصفية ولا تتطابق مع الحركات التي تبتلع الأيديولوجيا وتعتاش على نمط ولائي مُتخيل منفصل عن الواقع، بالتالي لا وجهان لحركة حماس لكنها صورة تتلون بحسب المشهد.
ومن ذلك أن للنظم السياسية وصفاً ممكناً بين صقور وحمائم ويجوز أن يحدث تبادل في الأدوار وفقاً للمصالح، وأما الجماعات فالأصل في تركيب أسسها يأتي على قافية مختلفة باعتبارها تأتي طارئة لتملأ فراغاً تشكل بفعل ظرف مستجد، فالجماعات هي في أغلبها لم تأت على بيئة ثابتة وإنما تسلقت المشهد، ما يعني أن منطق الصقور يغلب عليها طوال لحظات الصعود، وحتى إذا تمكنت فيه سيظل يصعب عليها أن تجري تحولات جوهرية تنقلها من فكرة الجماعة الثورية إلى عالم الدولة. وكأن هذه الجماعات تدرك أن نمطية الدولة وتشكلها وتجانسها هو مزلزل لها، فانتقال هذه الجماعات إلى جسم الدولة، يتطلب خروجاً من الحالة الثورية نحو صناعة انسجام مجتمعي لمختلف ألوان المجتمع تحت مظلة القانون، وهي بالضبط أزمة الثورة الإيرانية والتي فشلت فيها حتى وهي في العقد الخامس من عمرها، وهي أزمة حماس وأزمة عموم المليشيات التي ستجد في استمرار الحالة الثورة الملجأ والسند، ما يبقى هروبها نحوها أكثر أماناً لها من الانسجام في المجتمع، وهي حالة الصقور التي لا تسمح لغيرها بالتحليق في بيئتها .
فالعلاقة التي ربطت إيران بالمحيط العربي رغم كل ما استفادت وتستفيد منها إيران، لم تتركها تذهب باتجاه نمط من الأصالة وحسن الجوار، لأن فكرة الثورة بقيت حاضرة في المشهد الإيراني، بالتالي ما تقوم به إيران اليوم من اعتداءات على دول الجوار العربية لم تكن واقعة استحدثتها في الحرب بعد ما تكشف من وجود خلايا مسلحة وبنى وأصول كانت تعمل عليها إيران لسنوات طويلة، بادلت إيران من خلالها علاقة الاحترام العربية ببناء منظومات عدوانية تستهدف الأمن. فلا هذه منهجية تحكمها المصالح ولا هي فلسفة سياسية تتوافق مع منطق العصر، لكنها صورة من مستوى الوعي الذي لم يستطع أن يعيش فكرة الدولة رغم كل المقومات والإمكانات المتوفرة، فقد ذهبت الصورة الثورية المتخيلة وتصدير الثورة وإنشاء ما يسندها إلى مسافة بعيدة، هذه هي المسافة الموجودة اليوم بين إيران وبين بلدان العالم، وبالتالي إن ثقة العالم هي ما خسرته إيران وهذا يعني أن استعادة إيران لثقة العالم هي مهمات صعبة وقاسية، ستكون نتائجها أكثر قسوة على المجتمع الإيراني المنكوب الذي كان يعاني من نتائج فكرة تصدير الثورة، ليجد أن المعاناة أصبحت أكبر بكثير لأن العالم يريد أن يطمئن من سلوك إيران المستقبلي، وهذا تحدي وجودي بين النظام والشارع من جهة وعلاقته الثانية بالمجتمع الدولي.
هنا تأتي أهمية حماس في المشهد أنها "زهرة الأفيون" التي عبرها دخلت إيران للمنطقة وعبر رائحتها يتم تخدير قطاع من الناس وتستمر فكرة صناعة المليشيا التي تعمل ضمن اللعبة الأمنية من أجل استمرارية فكرة الحرس الثوري في المنطقة. فالمنهج الإخواني داعبته فكرة العنف منذ تأسيسه، ثم أنتج حماس في مسار تاريخي ظن فيه الإخوان أن قدرتهم على الانتقال اليه ممكناً، بالتالي ثمة تأصيل داخلي متطابق تماماً داخل الفلسفة الاخوانية ما بين الدعوية والثورية كانت أصلاً تتجاوز حتى الجغرافيا العربية وفق المنظور الذي رآه حسن البنا بصياغة ما اسماه استاذية للعالم.
من هنا كانت حماس هي الحالة الإخوانية التي تعمل على اختراق الحالة الشعبية بصورة دعوية مضللة، ثم إن حماس هي كتائب القسام بالمفهوم الثوري وذلك عندما تتمكن الحركة من حمل السلاح، فالمظلومية لدى الاخوان هي ذات المظلومية من حصة السياسة لدى حماس، وهي أيضاً الجانب الأسطوري الذي تحاول تضليل الجموع من خلاله عبر أسطورة البطولات التي نتج عنها كارثة غزة التي تصبح انتصاراً على المستوى الكوني في الفلسفة الاخوانية، بالتالي (إن بقاء حماس هو بالغ الأهمية بالنسبة للحرس الثوري الإيراني وحزب الله وعموم المليشيات) لأنها الغطاء الأنسب وزهرة الأفيون في هذا كله.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط