دروس الحرب.. خمس مبادرات اقتصادية بوسع دول المجلس إنجازها سريعا
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في المنظور العام يكمن الجدل في أن تجربة الحرب رجحت كفة انتقال دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من صيغة “التعاون” الفضفاض إلى صيغة “الاتحاد” المنضبط. أما اقتصاديا، فيلح سؤال: ما الذي ستفعله دول مجلس التعاون في ملفها الأقرب وهو التكامل الاقتصادي، بعد أن تهادن المتحاربون أسبوعين؟ خليجنا بعد الحرب ليس كما كان قبلها، فما التدابير التي يمكن أن تنجز سريعا؟
لقد كانت ثمانية أسابيع ثقيلة على اقتصادات دول مجلس التعاون؛ إذ وجدت نفسها في عين العاصفة حقيقة لا مجازا، وقد أثر ذلك في مجريات اقتصادات كانت تتطلع لعامٍ مزدهر مقارنة بما قبله. ووفقا لتقديرات البنك الدولي الصادرة في أبريل 2026، خُفضت توقعات النمو الاقتصادي لدول المجلس خفضا متفاوتا، تراوح بين نمو وانكماش، مقدار معدله 3.1 نقطة مئوية، لتتراجع من 4.4 % المتوقعة للعام 2025 إلى 1.3 % للعام 2026، غير أن هذا الأثر توزّع بصورة غير متكافئة بين الدول الأعضاء؛ فبينما حقّقت سلطنة عُمان مكاسب استثنائية بحكم أن جميع موانئها تقع خارج نطاق المضيق، واحتفظت السعودية والإمارات بأداء إيجابي نسبي بفضل بنيتهما التحتية البديلة، تعرّض كل من الكويت وقطر والبحرين لمخاطر انكماش حادة تجاوزت تقديراتها 14 %؛ نظرا لغياب أي مسار تصديري بديل خارج هرمز.
وعلى صعيد الأمن الغذائي، أضافت الأزمة ضغطا على دول المجلس حيث تعتمد إجمالا على استيراد أكثر من 80 % من احتياجاتها الغذائية؛ ما استدعى تفعيل الاحتياطيات الاستراتيجية وخطط الطوارئ.
ولا بد من الاستدراك بالقول إن تداعيات الأزمة أثبتت أن الإصلاحات الهيكلية التي انتهجتها دول مجلس التعاون خلال السنوات الماضية لم تكن مجرد أهداف تنموية، بل أدوات حيوية ساهمت في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في مواجهة الصدمات الخارجية. ومن باب التأطير، يمكن تصنيف مصادر المرونة التي أظهرتها الاقتصادات الخليجية - بدرجات متفاوتة - إلى أربعة عناصر جوهرية:
1. الأصول المالية السيادية الضخمة؛ إذ تمتلك دول المجلس مجتمعة أصولا سيادية تتجاوز 5.6 تريليون دولار، تمثّل نحو 36 % من إجمالي الصناديق السيادية عالميا، وقد أدّت دورا محوريا في امتصاص الصدمة والحفاظ على مستويات الإنفاق الاستثماري المحلي دون الحاجة إلى تقشف مُجحف.
2. المنظومة اللوجستية والبنية التحتية البديلة للتصدير، التي تجلّت في خط أنابيب “شرق - غرب” السعودي (بترولاين) بطاقة إجمالية تبلغ 7 ملايين برميل يوميا، وخط أنابيب “حبشان - الفجيرة” الإماراتي بطاقة 1.5 مليون برميل يوميا، وكلاهما يُصدّر عبر موانئ آمنة خارج نطاق المضيق. وقد نجحت السعودية في رفع الضخ الفعلي عبر خطها إلى نحو 5 ملايين برميل يوميا خلال ذروة الأزمة.
3. متانة الاقتصاد غير النفطي، ولاسيما في السعودية، التي سجّل قطاعها نموا إيجابيا على مدى 22 ربعا متواصلة، مدعوما بمبادرات رؤية 2030؛ ما وفّر وسادة حماية فعّالة للإيرادات الحكومية وقلّص الاعتماد على عائدات التصدير النفطي.
4. الانضباط الاستراتيجي والحياد؛ إذ آثرت دول المجلس سياسة ضبط النفس وتجنّب الانجرار إلى الصراع المباشر؛ ما أسهم في صون البنية التحتية الحيوية على الرغم من الاعتداءات الاستفزازية الغاشمة على المقدرات والمكتسبات الوطنية؛ حفاظا على الاستقرار الاجتماعي - الاقتصادي، وعلى ثقة استمرارية الأعمال، وعلى طمأنة المستثمرين المحليين والأجانب.
وتستحق المنظومة اللوجستية إشارة مفردة؛ فقد سجلت مرونتها إنجازا مُنقذا، حيث سجّلت المنافذ البرية السعودية عبور أكثر من 88 ألف شاحنة مغادرة إلى دول مجلس التعاون في الفترة من الأول إلى الخامس والعشرين من مارس 2026، مقارنة بمتوسط شهري يُقدَّر بنحو 57 ألف شاحنة في الربع الأول من العام 2024، بزيادة تجاوزت 54 %؛ ما يكشف عن قدرة استيعابية فائقة للمنافذ البرية في تعويض الاضطرابات البحرية.
أما أبرز الدروس المستفادة من الأزمة فهو أن ليس لدول مجلس التعاون إلا التوحد والتكامل؛ فخير دليل هو أن الاعتماد على مضيق هرمز كشريان تصديري وحيد يمثّل خطرا وجوديا على الاقتصادات الخليجية؛ ما يعني ضرورة إيجاد خيارات عملية للتحصين من صدمات الإمداد الخارجية مستقبلا، وفيما يلي حزمة مبادرات متداخلة وليست متعارضة، بما يعني إمكانية تنفيذها كحزمة:
• المبادرة الأولى، التكامل اللوجستي الخليجي: يُعدّ هذا الخيار الأعلى أولوية والأكبر أثرا، ويقوم على الاستثمار المشترك في توسيع شبكة خطوط الأنابيب لربط حقول الإنتاج في الكويت وقطر بموانئ التصدير الآمنة على البحر الأحمر وبحر العرب وخليج عُمان. يُحوّل هذا الخيار نقطة الضعف الجيوسياسية الكبرى إلى ميزة تنافسية، ويُمكّن الدول التي تفتقر إلى بدائل حالية من الاستفادة من البنية التحتية القائمة بدول مجلس التعاون عموما، وخصوصا في السعودية والإمارات وعُمان، غير أنه يستلزم توافقا سياسيا خليجيا رفيع المستوى واستثمارات مشتركة ضخمة.
• المبادرة الثانية، التنويع في القطاعات المعتمدة على للطاقة، ولاسيما ذات القيمة المضافة العالية، كالكيماويات المتخصصة والألمنيوم منخفض الكربون ومراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ بهدف تحويل دول مجلس التعاون من مصدّر للخام إلى مصنّع للمنتجات التقنية العالية، وهذا يتطلب دمج أو تكامل المبادرات ذات الصلة القائمة في دول مجلس التعاون.
• المبادرة الثالثة، تعزيز الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد: يشمل تسريع توطين صناعة الأدوية والمستلزمات الطبية والمدخلات الصناعية الأساسية، والتوسع في الزراعة العمودية والمائية، وبناء احتياطيات استراتيجية إقليمية متكاملة للسلع الأساسية تكفي مدة 12 إلى 18 شهرا.
• المبادرة الرابعة، الإدارة الاستراتيجية للمصدّات المالية: الاستمرار في سياسات الضبط المالي وفك الارتباط التدريجي بين الإنفاق الحكومي وتقلبات أسعار النفط، وتوجيه استثمارات الصناديق السيادية نحو أصول التقنية المتقدمة وسلاسل الإمداد العالمية ومشاريع الطاقة المتجددة، وتعزيز الدور المحلي لتلك الصناديق في ضخ الاستثمارات لتنويع الاقتصاد وتنشيط الاستثمار المحلي بالمشاركة مع القطاع الخاص.
• المبادرة الخامسة، الشراكة الاستراتيجية (الابتكار والريادة كمرتكز للاستقرار الاقتصادي): استبدال نموذج “النفط كمرتكز للاستقرار الاقتصادي” بشراكة تقوم على تكامل المستثمرين والرياديين والتقنيين في دول مجلس التعاون والربط مع نظرائهم في الاقتصادات الكبرى؛ ما يضمن الدعم الأمني والاقتصادي الدولي في الأزمات المستقبلية.
*نقلا عن البلاد