فتح هرمز.. بداية السلام أم استراحة محارب؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في مشهد درامي يعكس تعقيدات الصراع في الشرق الأوسط، أعلنت إيران فجأة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية طوال مدة المفاوضات الجارية مع أمريكا، معلنة بذلك تراجعها عن سياسة إغلاق المضيق التي أغرقت الأسواق العالمية في حالة من الفوضى ورفعت أسعار الطاقة إلى عنان السماء، قوبل القرار الإيراني بارتياح حذر في العواصم الغربية، يطرح فتح المضيق تساؤلات جوهرية حول طبيعة المفاوضات بين الطرفين وما إذا كان هذا الانفراج يمثل مؤشرا على حسن النوايا أم أنه مجرد مناورة تكتيكية ضمن حرب أوسع وأعمق تشمل الملف النووي الإيراني ومستقبل المنطقة برمتها.
ما حدث في مضيق هرمز لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق العسكري والاقتصادي الذي سبقه، فمع اندلاع الحرب أغلقت إيران المضيق فعليا أمام الملاحة العالمية، ما أدى إلى ارتباك غير مسبوق في أسواق الطاقة ودفع الأسعار إلى مستويات قياسية، لكن إيران الماهرة في فن توظيف الجغرافيا السياسية لصالحها، لم تضع كل بيضها في سلة واحدة، بل شرعت بفتح طريق بديل عبر بحر قزوين لربط نفسها بروسيا ومن ثم إلى أوروبا، في خطوة ذكية تنم عن استراتيجية متعددة الأبعاد تهدف إلى التحايل على الحصار وكسر العزلة، هذا الطريق البديل لم يكن مجرد خيار لوجستي، بل كان رسالة سياسية مفادها أن إيران قادرة على إيجاد منافذ جديدة وأن الحصار، مهما كان محكمًا، لن ينجح في خنقها تماما.
فتح المضيق كان ذلك بمثابة اعتراف ضمني بأن تكلفة الإغلاق أصبحت باهظة حتى بالنسبة للدولة التي ابتكرت استراتيجية المقاومة، فالحصار البحري الذي فرضته أمريكا، والذي تطوَّر من مجرد منع للسفن إلى حملة اعتراض عالمية تشمل تفتيش وتوقيف السفن في المياه الدولية، بدأ يلحق أضرارا جسيمة بالاقتصاد الإيراني، إيران التي يعتمد أكثر من أربعين بالمئة من إيراداتها الحكومية على صادرات البترول، وجدت نفسها أمام معادلة صعبة: استمرار الإغلاق يعني استنزافاً متزايداً للخزينة وتصاعدا في الضغوط الداخلية، بينما فتح المضيق يمنحها متنفسا اقتصاديا ويعيد لها بعض الزخم الدبلوماسي.
هل هذا الانفراج يعكس حسن نية حقيقيا بين الطرفين؟ النظرة العامة توحي بذلك، خاصة مع التصريحات المتفائلة التي أطلقها الرئيس ترامب والتي وصف فيها آفاق الاتفاق بأنها تبدو جيدة حقا، ومع الإعلان المتزامن عن هدنة في لبنان بين إسرائيل وحزب الله، الأمر الذي أزال إحدى العقبات الرئيسية أمام التقدم في المفاوضات، غير أن التعمق في التفاصيل يكشف صورة مختلفة تماما، فإيران في بيانها، ربطت فتح المضيق بالممر المنسق الذي أعلنته سابقا، وهو ما يعني أن طهران لا تزال تنوي الاحتفاظ بنوع من السيطرة أو الإشراف على حركة الملاحة، وهو أمر ترفضه واشنطن وحلفاؤها بشدة كونه يشكل انتهاكا لحرية الملاحة البحرية.
الأكثر دلالة على أن الأمور لم تحسم بعد استمرار الحصار البحري الأمريكي بكامل قوته، فبينما تعلن إيران فتح المضيق، تؤكد واشنطن أن قواتها البحرية ستواصل اعتراض السفن المتجهة إلى إيران أو المتجهة إليها، وأن عملية الحصار مستمرة بكامل قوتها وفعاليتها إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل، هذا التناقض بين الخطاب السياسي والإجراءات الميدانية يخلق حالة من الغموض والارتباك في أوساط شركات الشحن والتأمين، التي تتردد في إرسال سفنها عبر المضيق دون ضمانات أمنية واضحة، خاصة مع استمرار مخاطر الألغام البحرية والهجمات بالزوارق السريعة، إنه أشبه برقصة معقدة، إذ يلوِّح كل طرف بخشبة بينما يدعي الرغبة في السلام.
المناورة على مضيق هرمز ليست سوى وجه واحد لعملة أكبر وأخطر تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، المفاوضات الجارية لم تنجح في تجاوز الهوة العميقة بين الطرفين حول مستقبل التخصيب، في الوقت الذي تطالب فيه أمريكا بتجميد كامل للنشاط النووي الإيراني لمدة تصل إلى عشرين عاما ، ترفض إيران التجميد إلا في فترة من ثلاث إلى خمس سنوات ، متمسكة بحقها في التخصيب للأغراض السلمية . الأكثر حساسية من ذلك هو ملف مخزون اليورانيوم المخصب ، حيث تمتلك إيران حاليا أكثر من 440 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب بنسبة ستين بالمئة ، وهي كمية تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها كافية - من الناحية النظرية - لصنع عدة رؤوس نووية إذا تم تخصيبها إلى الدرجة المطلوبة . الإدارة الأمريكية تصر على إخراج هذا المخزون من البلاد ، بينما تصر إيران على الاحتفاظ به لاستخدامات طبية وبحثية، وهو خلاف جوهري قد ينفجر في أي لحظة .
إن الحديث عن إنهاء الحرب بناء على هذه التطورات يبدو سابقا لأوانه . فما يحدث أشبه بهدنة مؤقتة أو مذكرة تفاهم مرحلية ، يسعى الطرفان خلالها إلى تجميد الصراع مؤقتا دون حسم القضايا الجوهرية . أمريكا التي تخوض انتخابات التجديد النصفي بعد بضعة أشهر فقط ، تحتاج إلى انتصار دبلوماسي تلون به الحرب الباهظة التكاليف - والتي تقدر بمليار دولار يوميا - وكسب الوقت لتهدئة الأسواق وتراجع أسعار الطاقة . في المقابل تحتاج إيران إلى وقف النزيف الاقتصادي وإعادة فتح منافذ التصدير ، مع الاحتفاظ بورقة الضغط النووية كرأس مال سياسي للمرحلة القادمة . هذا التطابق المؤقت في المصالح لا يعني التوافق على الحلول النهائية .
يمكن القول إن فتح مضيق هرمز يمثل خطوة إيجابية لكنها ليست قفزة نحو السلام . إنها أشبه بفتح نافذة في غرفة خانقة ، تسمح بدخول القليل من الهواء النقي لكنها لا تغير من هيكل الغرفة نفسه . الحرب قد لا تنتهي بناء على هذا الانفراج ، بل ربما تدخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدا من المفاوضات المطولة والمتشابكة ، حيث ستكون القضايا الخلافية أكثر جوهرية وصراع الإرادات أكثر شراسة . الأسواق العالمية قد تتنفس الصعداء مؤقتا ، لكن الرياح القادمة من مضيق هرمز لا تزال تحمل في طياتها نذر عواصف جديدة ، خاصة إذا ما تعثرت المفاوضات أو شعر أحد الطرفين أن الطرف الآخر يستخدم الهدنة لتحسين مواقفه الميدانية . العالم ليس أمام نهاية الحرب ، بل أمام فاصل تمثيلي في مسرحية صراع طويلة.
نقلاً عن "الوطن"