كيف ذبحت حماس غزة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
تصعب السيطرة على المجتمع والتأثير عليه وتحريكه على شاكلة القطيع في زمن السلم، لأن الرفاهية عامل مؤثر في تكوين البنية النفسية للمجتمعات والتي تميل تكويناً وطبعاً في الجبلّة النفسية نحو الاستقرار، وهو طبع بشري سليم يعمل المستبدون على كسره، لأن انصياع المجتمع يتيح لهم الإمساك بالسلطة دون قلق. ويكون هذا حالة ممكنة في زمن الحرب التي تسبقها مسألة توظيف قدر كبير من مقدماتها عبر الارتكاز قسراً على نظرية المؤامرة التي تبرر ما بعدها، خصوصاً وأن نظرية المؤامرة والأيديولوجيا يأتيان توأمان يلد الأول صاحبه.
هما مسألتان اشتغلت عليهما حماس في غزة، الأولى تمثلت في إفقار الشعب واستغلال ذلك وسيلة لكسره، ثم جمع المال باسمه لضمان تراكم مالي مستمر يزيد من قبضتها عليه، وهذه بدأت منذ أيلول 2001 عندما بدأت بإطلاق الصواريخ من غزة بحجة المقاومة، وصولاً إلى الانقلاب في غزة سنة 2007 وجاءت الثانية عبر تبرير ما حدث وهو دور جماعة الاخوان وشركائهم من خلال تخوين السلطة الفلسطينية واعتبار مسارها لا يخدم المصلحة الفلسطينية، ثم جاءت حرب غزة الأولى بإدارة حماس سنة 2008 والتي انتهت بمقتل أول 1400 من الفلسطينيين، كان أغلبهم نساءً وأطفالاً وآلاف الجرحى، تحولوا جميعاً إلى مادة خطابية صورت مشروع حماس بديلاً أسطورياً للعملية السياسية في فلسطين.
في غزة قبل انقلاب حماس، كان هناك مطار أنشأته السلطة الفلسطينية واستقبلت فيه شخصيات عالمية، إضافة الى ميناء بحري وما حولهما من بنية تحتية انطلقت حتى ما قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة والذي تم قبل عامين فقط من انقلاب حماس، ناهيك عن المعابر البرية، والتجارة والتصدير من هذه البقعة الصغيرة من الأرض، حيث كانت غزة تصدّر للأسواق الأوروبية الورود والتي وصلت سنة 2006 إلى قرابة 60 مليون وردة، إضافة إلى منتجات عديدة من المنسوجات وغيرها كان يتم تصديرها الى مجموعة متاجر(Marks & Spencer) البريطانية بحسب (BBC) إضافة إلى ما كانت تصدره من منتجات زراعية للضفة الفلسطينية وهو ما وصلت نسبته نحو 60 % من منتجات القطاع الذي لم يكن يعاني آنذاك من أزمات غذائية. ومع سيطرة حماس على غزة ضاع كل شيء، وعندما جاءت الحرب الثانية والثالثة والرابعة وصولاً إلى السابع من أكتوبر وما بينهما كانت التجارة تموت في غزة، قبل مجيء تجارة الأنفاق التي حفرتها حماس عبر الضرائب التي كانت تفرضها الحركة حتى على علبة الكبريت الداخلة الى غزة، ومع كل حرب كان يزيد الحصار على الفلسطينيين وكانت حماس تزداد ثراءً وليس آخرها الحرب الأخيرة، إذ لا تزال الصفقات التجارية قائمة مع تجار إسرائيليين وضرائب حمساوية على الداخل منها إلى غزة تستنزف كل شيء، لأن حماس تريد أن تدفع مرتبات مالية لعناصرها بعد تعذر وصول حقائب المال السابقة المنتظمة للقطاع والتي كانت تعبر بموافقة نتنياهو.
ثم تأتي مسألة التحويلات المالية والتي تجري في غزة عبر ابتزاز مؤلم إذ يدفع الأهالي ما نسبته ٣٥% من قيمة الحوالة القادمة من الخارج لصالح وسطاء من حملة المال النقدي بعد دمار البنوك وتعذر حركة النقد الورقي المباشر.
ما بعد اكتمال مشروع المصائب المتتالية وبعدما وجد أكثر من مليون ونصف فلسطيني أنفسهم في الخيام التي تفتقر لأدنى الاحتياجات الآدمية، وبعدما كان سكان غزة يذهبون إلى أعمالهم اليومية باتوا يصطفون يومياً أمام " التكيات" التي تعطيهم وجبة يومية لا يتوفر لديهم بديل عنها، أصبحت حماس اليوم تدير لعبة خبيثة لا تصدر عن عقل أمين ولا مرن، فهناك تعبئة نشطة تقوم بها حماس عبر ادواتها في غزة وعبر نشطائها على مواقع التواصل الاجتماعي موجهة لتعظيم الدور الايراني وتبرير اصطفاف الحركة ضد دول الخليج العربي بذريعة واهية مفادها أن إيران وقفت الى جانب غزة وأن العرب لم يفعلوا شيئا.
بمقابل ذلك تأتي عملية ممنهجة بقصد الإساءة لدول الخليج العربي، لكن ما وراء ذلك هو محاولة إبعاد الفلسطينيين عن عمقهم العربي بغية قتل القضية الفلسطينية، لأن قتل هذه القضية هو جوهر المشروع الإخواني الذي يرى في قيام دولة فلسطينية واستقرار المنطقة يجعل مشروعهم في مأزق، من هنا تعود مسألة سلاح حماس من جديد الى الواجهة، ورغبة حماس باتفاق جديد يبقيها في غزة لسنوات، ما يعني أنها تسير في طريق تعطيل الاعمار الذي لم تساهم فيه إيران ولا حتى في بناء خيمة، وذلك كله من اجل بقاء حماس فترة اطول في غزة حتى لو بقي أهلها في العراء يتقاذفهم الموت والمجهول.