حماس.. ورعب السلطة الدينية
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لعب الآباء المؤسسون دوراً مؤثراً في تشكيل سلطة حماس الدينية قبل ان تأكل الرواية الدينية سابقتها عندما كانت منهجية جماعة الإخوان آنذاك في فلسطين بعيدة عن الاشتباك مع العدو، دعوية فحسب ولا يشبهون شقائق جماعتهم حيث توالدوا وأعينهم على السلطة وقلوبهم تشرئب نحوها في ذهول المفترس الذي يرقب الطريدة، فهؤلاء هنا مع الجنود الإسرائيليين لهم ميزانهم الفقهي المخالف الذي يمنعهم من الذهاب نحو ما ذهبت إليه منظمة التحرير الفلسطينية.
حتى إذا حدث أول اشتباك لحماس في دائرة المقاومة المدنية بدأت تأخذ قوة مضاعفة، ما يعني أنها أضافت لنفسها قدسية النضال والقضية الفلسطينية التي تفردت في حملها منظمة التحرير قبل ميلاد حماس، لتأتي إضافة حماس إلى المشهد الفلسطيني في الداخل في أوج صعود الإسلام السياسي بغية الاستيلاء عليه، ثم أتبعتها بالمظلومية الإخوانية في الخارج، ثم اكتملت المعادلة الصعبة مع الانتفاضة الثانية والتي تحولت إلى مطلب وفرصة استثنائية للحركة لتأكيد قدرة العمل العسكري على حساب المعادلة السياسية، وهكذا رسخت حماس السلطة الدينية كحالة إفتراضية مسيطرة على المشهد مستفيدة من فتاوي دعاة العمليات الانتحارية وصخب الاعلام الموازي، وكان ذلك محال أن يحدث لولا دعم الاخوان وإيران، ونظام الأسد ومن معه من فصائل دمشق وعموم دائرة القوى الشعبوية التي كانت تدّعي حمل منهج التحرير مستغلة ظروف الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان في أيار مايو سنة 2000 فأتتها الفرصة على القدم لكي تعيد تركيب صورة جديدة تحت مسمى المقاومة بعد اشهر فقط في نهاية سبتمبر أيلول من نفس العام 2000 ليتم إعادة توجيه الانتفاضة الثانية في شكلها العام من عمل شعبي سلمي رفضاً لانتهاك شارون لحرمة المسجد الأقصى، إلى عمل عسكري منظم هدفه الحقيقي في صميم الدائرة الاخوانية هو دفن التسوية السياسية، وإقصاء منظمة التحرير الفلسطينية عن المشهد، وإحياء حماس كبديل لها، ثم التمثيل السياسي في الخارج لتصبح مكاتب حماس في الخارج موازية لسفارات دولة فلسطين في بعض الدول، وما بين مقاصد الشريعة ومقاصد الجماعة تختلف المعادلة، فلدى الجماعة معيارية وحاكمية وارتجال في تفسير معادلة الدين والسياسة بما ليس من مقاصد الشريعة، بغية التقليل من قيمة الخسارة البشرية لمصلحة مقاصد الجماعة في تحويل الصورة إلى منجز إعلامي فحسب.
كان صعباً على المستوى الفلسطيني معالجة تبعات الانتفاضة الثانية وحجم الخسائر على المستوى البشري والمادي واقتطاع الأرض وخصوصاً الجدار العازل الذي برر فيه شارون عزل الفلسطينيين وراءه في معازل في الضفة تحول دون تواصلهم. ومع ذلك استمر الآباء المؤسسون في تحويل فكرة حماس صعوداً بمقابل تراجع كبير على المستوى الإنساني، فالضفة ليست على قدرة من القيام بمواجهة عسكرية مفتوحة وفق رغبات حماس في تحويل المجتمع المدني الى بنية عسكرية تحت الاحتلال، في عناد عجيب لمسألة الجغرافيا، وتجاهل سياسي للمعادلة الدولية القائمة، ثم جاءت محاولات انتاج انتفاضة ثالثة، أو ما سميت بانتفاضة السكاكين عبر عملية شارك فيها كبار الكتاب والصحفيين من الاخوان خصوصاً بين عامي 2015-2016 والتي انتهت بمقتل المئات من الشباب الفلسطيني في الضفة وآلاف الجرحى والمعتقلين، في معادلة أضيفت إلى سجل الألم الذي نتج عن الانتفاضة الثانية. ثم ما تلا ذلك بعد السابع من أكتوبر، فهناك مئات الضحايا والاف الجرحى والمعتقلين ومنع 300 ألف من العمالة الفلسطينية من الوصول لأعمالهم وصولاً إلى الهدم الذي طال مخيمات جنين وطول كرم وغيرها وتشريد عشرات الالاف من منازلهم حتى اللحظة.
بالعموم، هناك مسألتان في المسار السياسي استفادت منهما حماس، الأولى جاءت قبيل الانتخابات الفلسطينية سنة 2006 عندما قدمت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) مساعدات مالية للسلطة الفلسطينية وهو ما روج له الإخوان آنذاك بشكل مبالغ فيه بأنها أموال دفعت بقصد إقصاء حركة حماس في الانتخابات وهو ما انعكس سلباً على الانتخابات، علما أن الوكالة الأمريكية بدأت بتقديم دعم للسلطة الفلسطينية منذ عام 1994 عشية اتفاقيات أوسلو كجزء من العملية السياسية، وأما المسألة الثانية فقد صورت اسرائيل حماس عدواً وحيداً لها وصورت السلطة الفلسطينية بأنها شبه حليف طوال فترة صعود حماس، وهذا هو جوهر التخادم الإسرائيلي مع حماس والإخوان والذي صور السلطة الفلسطينية بما يتوافق ورؤية الاخوان المسلمين الهادفة إلى عزل السلطة وإضعافها على المستوى الشعبي، أمام ظاهرة تنامي صعود السلطة الدينية لحماس بشكلها الافتراضي ولكن المؤثر، وهو ما تشترك فيها حماس مع عموم الجماعات على قاعدة (تعطيل الوعي الشمولي) عبر تكرار للشعارات الدينية بغية صناعة سلطة دينية تحول دون القراءة الصحيحة للمسألة السياسية.