واشنطن – بكين .. مسارات النسر والتنين

إميل أمين
إميل أمين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

على الرغم من الأزمات العسكريّة المتفشية حول العالم، لا سيّما الملفَّيْن الأوكرانيّ والإيرانيّ، إلّا أنّ زيارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترمب إلى الصين بدءًا من الأربعاء وحتى الجمعة القادمَيْن، تستحوذ على الكثير من الانتباه العالميّ، لا سيّما أنّها تجري بين زعيمَيْن لأكبر قطبَيْن قائم وقادم على وجه الكرة الأرضيّة حتّى الساعة.

التساؤلات فلسفيًّا أهمّ من الإجابات، وفي حال هذه الزيارة يطرح المراقبون العديدَ منها، وربّما في مقدّمها: "هل تكون لقاءاتُ ترمب وشي جين بينغ، مفصليّةً في رسم معالم وملامح بقية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؟"
ربّما يتعيّن علينا بدايةً التوقّف أمام الأوضاع الداخليّة في البلدَيْن الكبيرَيْن، والانطلاق من ثمّ في القراءة التحليليّة، لفهم أوراق القوّة والضعف لدى ترمب وبينغ.

عبر برنامج "فوكس نيوز صنداي" كان السيناتور جاك ريد، الديمقراطيّ من ولاية أيوا، يتحدّث صباح الأحد للمذيعة "شانون بريم" مؤكّدًا أنّ سيّد البيت الأبيض يذهب إلى بكين وهو في حالة ضعفٍ شديدة.
السيناتور ريد، هو أبرز ديمقراطيّ في لجنة القوّات المسلّحة في مجلس الشيوخ، ما يعني أنّه يضع مصالح الأمن القوميّ الأميركيّ فوق كل اعتبار، لا سيّما المنافسة الحزبيّة.

تبرير ريد لتصريحه القاسي، يأتي انطلاقًا من أنّ "ترمب زَجّ بنا في صراعٍ مع إيران، وأنّ الإيرانيّين يعرضون 20% من نفط العالم للخطر" على حدّ تعبيره.

بتحليلٍ أوّليّ لهذه الكلمات، يبدو واضحًا أنّ هناك مخاوف من أن يصاحب رحلةَ ترمب ولقاءه مع الزعيم الصينيّ شي جين بينغ، حالةٌ من زيادة الأزمة الاقتصاديّة في الداخل الأميركيّ من جَرّاء ارتفاع أسعار المحروقات، الأمر الذي ينسحب على كافّة مناحي الحياة في "أميركا المموطرة" ، لا سِيّما التنقّلات، ناهيك عن أسعار الغذاء.

ولعلّه من نافلة القول إنّ الرئيس ترمب، يمضي إلى بكين، ولا يزال الملفُّ الإيرانيّ مليئًا بالتعقيدات، وما من ضوء في نهاية النفق.
عطفًا على ذلك، تبدو شعبيّة ترمب متدنّية لأضعف مستوى في ولايتَيْه، وهذا أمرٌ يلقي بظلال كثيفة من الشكّ على قدرة الحزب الجمهوريّ في الفوز بأغلبيّة مريحة في انتخابات التجديد النصفيّ للكونجرس في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

ولعله من مصادفات القدر، أنّ الوضع في الداخل الصينيّ، وفيما يخصّ نفوذ الرئيس بينغ، ليس أفضل كثيرًا، فالزعيم الصيني لديه العديد من الأزمات، منها ما هو موصولٌ بالأوضاع الخاصّة بمعدلات التنمية الاقتصادية في البلاد، فيما البعض الآخر موصول بالأزمات المكتومة الحادثة مع المؤسّسة العسكرية، وإطاحته بعدد من كبار الجنرالات، ضمن حركة التطهير التي يقوم بها، بجانب آماله وأحلامه المرسومة للمؤتمر العام للحزب الشيوعيّ الصينيّ في العام القادم، وقبل كل هذا وبعده وأثناءه، تبقى قضية جزيرة تايوان، وكيفية إعادتها إلى الصين الأمّ عقبة كؤود في مسار علاقاته الخارجيّة مع العالم الخارجيّ برُمَّته.

هل يعني ذلك أنّ ترمب وبينغ، في حاجة ماسّة، كلّ منهما للآخر، من أجل تحسين أوضاعه الداخلية، أي أنّ البراغماتيّة تحتّم عليهما، محاولة رسم مسارات تصالحيّة، تنعكس بردًا وسلامًا، على مدارات التعاون الاقتصاديّ أوّل الأمر، وقبل الدخول في دهاليز الأزمات العسكريّة؟

الثابت أنّه لطالما ردّدت الألسنة تعبير الكاتب والسياسيّ الأميركي الشهير "غراهام. تي. أليسون"، أي "فخّ ثيؤثيديديس"، والذي يتناول القصّة التاريخيّة الشهيرة للصراع بين أسبرطة وأثينا قبل الميلاد، بمعنى حتميّة الحرب بين القوّة المهيمنة الحاليّة والقوّة العظمى الوليدة القادمة.

هنا ومن بين التساؤلات المطروحة في هذه القمة: "هل يمكن للرجلين المأزومين أن يجدا دربًا للخروج من أزماتهما، بنسج دروب للتعاون، وإن كلّفهما تنازلات متبادلة، أم أنّ الهروب إلى الأمام هو الطريق الوحيد لخلاص كلَيْهما من تبعات أخطائهما كلّ في بلده؟"
أفضل من حاول تقديم جواب على علامة الاستفهام الشائكة المتقدمة، "كورت إم. كامبل"، رئيس مجلس الإدارة والمؤسّس المشارك لمجموعة آسيا، والذي شغل منصب نائب وزير الخارجيّة ومنسق منطقة المحيطَيْن الهندي والهادئ في مجلس الأمن القومي خلال إدارة بايدن.

وعنده أنّه لا يزال هناك قدرٌ كبير من عدم اليقين بشأن ما إذا كان هذا الاجتماع سيكون شكليًّا أم تحويليًّا. على عكس القمم الأميركية الصينية السابقة، التي ربما عانت من الإفراط في التخطيط المسبق والتنسيق بين الموظفين، فإنّ هذا الاجتماع ينحرف بشكلٍ حادٍّ في الاتّجاه المعاكس، على الأقلّ من الجانب الأميركيّ. سيُحسم الكثير من الأمور من قبل الزعيمَيْن أنفسهما، والعوامل الرئيسيّة المؤثّرة لا تتعلّق كثيرًا بمزايا أو معايير كلّ بند من بنود جدول الأعمال الثنائيّ، بل بخصائص وخبرة الرجلَيْن.

تكشف مقاربة سريعة بين ترمب وشي عن زعيمين، رغم اختلاف نظامَيْهما السياسيَّيْن اختلافًا شاسعًا، يتشاركان بعض الغرائز المتعلقة بالسلطة والقوميّة والتنافس العالميّ. ومع ذلك يختلفان اختلافًا حادًّا في الأسلوب وفلسفة الحكم والطموح طويل الأمد.
خذ إليك ترمب بدايةً، ستجد أسلوبه متجذرًا في الارتجال والمواجهة، وأحيانًا في التواصل المباشر غير الحكيم.

على النقيض من ذلك، يجسد بينغ قيادة شديدة الانضباط، غامض، ومركزيّ، تشكل عبر عقود قاسية من المعاناة داخل الحزب الشيوعي الصينيّ، وتبدو شخصيته وكأنّها صممت خصّيصًا بعناية فائقة لإظهار الثبات والسلطة والالتزام الإيديولوجيّ.

والشاهد أنه على الرغم من الصحوة العسكريّة الصينيّة، تلك التي تبدّت واضحةً جدًّا، في العرض العسكريّ الصينيّ في شهر سبتمبر/ أيلول المنصرم، والأسلحة الحديثة التي ظهرت هناك وأزعجت الغرب عامّةً والولايات المتحدة الأميركية بنوع خاصٍّ، إلّا أنّ مخاوف الصدام العسكريّ لا تبدو قريبة جدًّا في الوقت الحاضر، وبخاصّة إذا جَنَّبنا غزوًا بحريًّا وبريًّا صينيًّا مفاجئًا لتايوان.
لكن هناك إشكاليّةً أكبر تتركّز من حولها الأعينُ الأميركيّة، تلك المتعلّقة بمفهوم سلاسل التوريد، وكيف لهم أن يمارسوا نوعًا من النفوذ غير العسكريّ، في مواجهة الرئيس الذي لا يؤمن بالقوّة الناعمة، ويفضّل دومًا القوّة الخشنة.

أصبح قادة الصين خبراء في حرب سلاسل التوريد، إذ يتبعون نهج الإستراتيجيّ الصيني العظيم "سن تزو"، والذي لاحظ أنّ أسمى فنون الحرب "يكمن في كسر مقاومة العدو دون قتال".

هنا يبدو واضحًا، ووفقًا للجنة مراجعة الأمن والاقتصاد بين الولايات المتحدة والصين التابعة للكونغرس الأميركيّ، أن بكين قد انتقلت نحو هدف سياسيّ واضح يتمثّل في ترسيخ هيمنة لا جدال فيها على سلاسل القيمة العالميّة، والقضاء على نقاط ضعفها، مع خلق تبعيّة عالميّة للمنتجات الصينية.

في المقابل، يظلّ الدعم الأميركيّ لتايوان، أمرًا مقلقًا كثيرًا جدًّا للصين، والتي لا تفضّل في هذه المرحلة من انطلاق قطبيّتها الدخول في معارك عسكريّة مع الولايات المتحدة، تستنزف قواها.

هنا نتساءل: "هل يمكن أن ينجح ترمب في إقناع بينغ بإعادة النظر في مسالة الصين الواحدة وضم تايوان بالقوة؟ لكن ما هي أوراق الترغيب لا الترهيب التي تمتلكها واشنطن في مواجهة مخطّطات بكين؟"
الخلاصة: اللقاء يأتي في أوقات من عدم اليقين العالميّة، والخرق يكاد يتّسع على الراتق الأممي، والخروج برؤى إيجابيّة أمرٌ يحتاجه العالم، لكنّه في حاجة إلى عملٍ إعجازيّ في حدِّ ذاته.. دعونا ننتظرْ ونَرَ.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط