.. ومازالت الكلمة للجغرافيا
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
فى الوقت الذى يتحدث فيه العالم عن الذكاء الاصطناعى والعولمة التى ألغت الحدود، تظل الجغرافيا صاحبة الكلمة الأقوى فى السياسة والاقتصاد والحروب أيضا، فالأرض لم تفقد سلطانها، ولم تنجح التكنولوجيا رغم تقدمها فى إزاحة تأثير الموقع والموارد والممرات الطبيعية من معادلات القوة الدولية، ولهذا لاتزال الدول، إلى حد بعيد، «فى قبضة الأرض».
فالجغرافيا ليست مجرد خرائط وحدود، بل عنصر حاسم فى تشكيل قوة الدول وتحديد أدوارها فى النظام الدولي. وقد أدركت مدرسة الواقعية السياسية هذه الحقيقة مبكرا، حين اعتبر مفكروها الموقع الجغرافى أحد أكثر عناصر القوة استقرارا، إلى جانب الموارد الطبيعية والقدرة العسكرية والاقتصاد والسكان ونوعية الحكم، لتصبح الجغرافيا بذلك «الحاكم الأقوى للنظام العالمي».
وبرغم التطور الكبير فى وسائل النقل والاتصالات، أثبتت العقود الأخيرة أن الجغرافيا لا تزال قادرة على فرض شروطها؛ فالمضايق البحرية وخطوط الطاقة والموانى والحدود الطبيعية تتحكم فى التجارة الدولية وتؤثر فى قرارات الحرب والسلم، كما تتعامل الدول الكبرى مع الجغرافيا باعتبارها محددا رئيسيا للأمن القومي.
ويظهر ذلك بوضوح فى ملف الطاقة، حيث أصبحت «جغرافيا النفط» مفتاحا مهما لفهم العلاقات الدولية؛ فإنتاج النفط والغاز لا يكفى وحده لصناعة النفوذ، بل إن القدرة على نقل الطاقة وتأمين خطوطها البحرية والبرية تمثل جزءا أساسيا من معادلة القوة، ومن هنا تتحول المضايق البحرية، مثل مضيق هرمز، إلى أوراق ضغط سياسية وعسكرية، بينما تصبح خطوط الأنابيب الممتدة عبر آلاف الكيلومترات أهدافا للصراعات والحروب.
وقد كشفت أزمات السنوات الأخيرة أن القوى الدولية لا تتصارع من أجل النفوذ السياسى فقط، بل من أجل السيطرة على الممرات والمواقع الاستراتيجية وطرق التجارة والطاقة أيضا، فالحرب الروسية الأوكرانية أعادت إحياء أهمية الجغرافيا فى الأمن الأوروبي، كما أكدت توترات الخليج العربى أن التحكم فى الممرات البحرية قادر على التأثير فى الاقتصاد العالمى بأسره. وهنا تبدو أفكار المفكر المصرى جمال حمدان سابقة لزمانها، حين رأى أن الجغرافيا السياسية تضع الدولة تحت «مجهر دقيق» يكشف عناصر قوتها وضعفها، ويحدد وزنها الحقيقى فى العالم. ولهذا تبقى الجغرافيا العامل الأكثر رسوخا فى تشكيل موازين القوي.
نقلاً عن الأهرام