العلاقات الأوروبية– الأميركية

مصطفى الفقي
مصطفى الفقي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

لقد تمخضت الحرب العالمية الثانية عن نظام دولي وإقليمي تحددت به ملامح الجغرافيا السياسية لدول العالم المعاصر، إذ إن الأمم المتحدة التي كانت نتاج تلك الفترة كانت هي أيضاً بتعبير أدق حلف المنتصرين، ولذلك كان طبيعياً أن ينعكس ذلك على التنظيم الدولي الجديد، فكانت العضوية الدائمة لمجلس الأمن مقصورة على الدول الأوروبية التي شاركت في الحرب العالمية الثانية وأضحت التركيبة الجديدة معبرة عن مراكز القوى الدولية المعاصرة حتى انضمت الصين إلى عضوية مجلس الأمن وتأمل الجميع أن تتحول الصورة على نحو مختلف، خصوصاً في ظل أجواء الحرب الباردة التي سادت المجتمع الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى سقوط حائط برلين وانتقال العالم من مرحلة الاستقطاب الثنائي الذي انتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي السابق إلى مرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها "مرحلة الهيمنة الأميركية" التي أعادت من صفحات التاريخ فصولاً جديدة عن مفهوم السلام الأميركي على غرار السلام الروماني، ظل حلف الأطلسي هو الوعاء السياسي للدول على ضفتي المحيط الأوروبية والأميركية، وبذلك كان النظام الدفاعي عن أوروبا مرتبطاً تماماً بالنظام الدفاعي الغربي عموماً بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

ويكفي أن نتذكر أن الرئيس الأميركي السابق دوايت أيزنهاور كان هو قائد قوات الحلفاء خلال حرب النصر النهائي التي انتهت بها الحرب العالمية الثانية، ولقد فطن الروس وحلفاؤهم إلى الحلف الأوروبي الغربي وأخطاره على التوازن المطلوب بين الكتلتين، فكان ميلاد "حلف وارسو" ومقره في العاصمة البولندية، وبذلك تشكلت القطبية الثنائية على مسرح الأحداث، كما جرت اختبارات حادة لتلك الثنائية مثل ما حصل في مطلع الستينيات وأطلق عليه الخبراء العسكريون "أزمة خليج الخنازير" التي وضعت العالم وقتها على حافة الحرب العالمية الثالثة، وحبست الدنيا أنفاسها أمام ذلك الصدام المرتبط بالحصار على الدولة الكوبية، في وقت احتدم الصراع حتى خلع الزعيم السوفياتي خروتشوف حذاءه وهو على مقعده في المنظمة الدولية الأولى، تعبيراً عن حدة الاحتجاج وتدهور الوضع الدولي حينذاك.

ولأن الولايات المتحدة الأميركية اختارت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، بل منذ استقلالها عن المملكة المتحدة أن تكون دولة محاربة تعيش في ظل مواجهات عسكرية بدءاً من الحرب الكورية إلى القتال في فيتنام ثم حروبها المتتالية في أفغانستان والعراق وغيرها من المواجهات التي تورطت فيها واشنطن وكانت نهايتها دائماً التحول إلى صراع مفتوح ينزف دماً في كل الأحوال وقد دفعت ثمنه دائماً شعوب العالم الثالث، خصوصاً في آسيا وأفريقيا، فضلاً عن الانقلابات العسكرية التي وقفت وراءها واشنطن في بعض دول أميركا اللاتينية، ولذلك ظل النظام الدفاعي العالمي مرتبطاً بخرائط وسياسات "البنتاغون" وإرادة ساكن البيت الأبيض صاحب السلطات الواسعة التي لا مثيل لها في عصرنا، مما أعطى الرئيس الأميركي دائماً إمكانات متاحة سياسياً وعسكرياً جعلته بحق حاملاً لمفاتيح الحرب والسلام في معظم الأوقات.

ولقد ظلت دول أوروبا الغربية أو ما أطلقت عليها واشنطن لقب "عواجيز الفرح" في أوروبا معتمدة ضمن نظمها الدفاعية على الولايات المتحدة الأميركية التي احتفظت بقوات رمزية في عدد من عواصم الأطلسي داخل القارة الأوروبية، وعلى رغم صحوة الصين، ذلك التنين الأصفر الذي يمثل بلا نزاع القوة الاقتصادية الثانية في عالمنا المعاصر قد أثرت هي الأخرى في موازين القوى، في وقت توارت روسيا الاتحادية لفترة محدودة إلى أن جاءت الحرب الأوكرانية- الروسية لكي تمثل مصدر إزعاج شديد لنظرية الأمن الأوروبي وتداعياته.

ونظر الأوروبيون إلى واشنطن على أنها قائدة المعسكر الغربي ورائدة نظامه الدفاعي، بخاصة أن روسيا توقفت تماماً أمام احتمال انضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلسي على نحو جعل المواجهة بين الكتلتين على المحك من كل اتجاه، بل اقتربت في بعض الأحيان من الإنذار المبكر لمواجهة عالمية توحي بحرب شاملة تكون تدميراً للحضارة الإنسانية والتقدم التكنولوجي كما نراهما.

نقلاً عن إندبندنت عربية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط