العراق.. نهاية البشاعة وإطلالات الأناقة

عبدالله بشارة
عبدالله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

من قضايا الاولويات التي تحدث عنها رئيس وزراء العراق الجديد السيد علي فالح الزيدي، وبكثير من الاهتمام، العلاقات بين العراق ودول الخليج، وبنغمة جاذبة فيها الكثير من الأناقة أزال عبرها الكثير من أشواك البشاعة التي زرعها صدام حسين وشحنها بكل قبيح نحو أهل الخليج، في استصغار مسارهم وفي الاستخفاف بسلوكهم وتحجيم طموحاتهم.
برزت تلك المواقف السلبية وبشده خلال الحرب العراقية - الإيرانية، فلم يقدر مواقفهم ولم تسعده اجتهاداتهم بدعم العراق التي رآها صغيرة لا تأثير لها في مسار المعارك. كانت دول المجلس آنذاك تدعم العراق وتحرص لتأمين سلامته والحفاظ على قدراته في التصدي والحفاظ على المقاومة. كان مبعوثو صدام حسين الى الخليج يتواصلون مع دول الخليج لتأمين الدعم والحفاظ على القدرة العراقية في استمرار المعارك دون ضعف، وقد اتفقت دول الخليج على إرسال مبعوث خاص الى بغداد لنقل المواقف والقرارات التي تتخذها دول المجلس حول الحرب العراقية - الإيرانية، وعادة ما يكون وزير خارجية الدولة التي تستضيف القمة الخليجية. وسار هذا التقليد دون توقف، ومع نهاية الحرب بالحفاظ على سلامة الأرضي العراقية واعتراف زعامة إيران بالهزيمة، تحولت دبلوماسية دول المجلس الى مساندة العراق في معالجته لمخلفات وإفرازات الحرب، والوقوف معه خلال فصل التعامل مع آثار ومتاعب الحرب.

كانت إملاءات الجغرافيا مؤثرة في حجم الدعم ونوعيته لكن الجميع متفهم ومتعاون بالدعم للعراق. وبصراحة كان صدام حسين يهدد ويتوعد بمعاقبة دول الخليج التي لم يقتنع بحجم عطائها ومساهمتها.

كانت تذمراته وتهديداته واضحة لم يخفها، وينتقد بمرارة وصول المواد الغذائية الى إيران من موانئ خليجية. كان سعيداً بما تقدمه المملكة العربية السعودية والكويت، ولم ترضه تضحيات الآخرين، ولم تنج دول الخليج من التلوثات التي دبرها صدام ضدها، وأكبر ضحاياه وجرائمه كانت من نصيب الكويت، فلم يثمن حجم عطائها.

نعم، تعلمنا الدروس التي هزت قناعاتنا واستحضرت معها ضرورات الحذر واليقظة الدائمة وتطويق التساهل وتشييد المصدات لكي تفشل مساعيه نحو الطغيان والسيطرة.

والحقيقة انني أكتب هذا المقال انسجاماً مع ما جاء من تعليقات رئيس الوزراء الجديد، السيد علي فالح الزيدي، عن العلاقة مع دول الخليج التي يريد رئيس الوزراء التواصل معها وتوسيع أبواب هذا التواصل، بما يحقق المنافع للطرفين.

ومن المهم ان ينقل السيد علي فالح الزيدي رئيس الوزراء ما يريده، حاملاً وعياً تاماً بتفاصيل ما يطرحه لدول الخليج الذين يتوقعون طرحاً مختلفاً في محتواه وواضحاً في أهدافه، لا يتجمل بعبارات عروبية ايديولوجية تذكر الخليجيين بمفردات سعدون حمادي وغيره من وزراء صدام حسين، وأن تكون الأهداف اقتصادية تتولد منها منافع لمصلحة الطرفين، تمحو خزينة الماضي من الشعارات الفارغة. وبالطبع فإن رئيس الوزراء السيد علي فالح الزيدي على علم بحجم الترابط التاريخي بين العراق وأهل الخليج، الذي تعمقت جذوره وحقق الفائدة للجانبين، ومن المؤكد بأن العراق سيكسب كثيراً وبقدر المكاسب التي يحصل عليها الخليج من علاقاته مع بغداد، لاسيما اذا تعمقت اعمدة الترابط وتنوعت في عطائها. ومن المؤكد بأن الترحيب الخليجي بمبادرات العراق الجديد سيرسم نموذجاً يحمل الفوائد للطرفين، دولاً وشعباً، والحقيقة أن تطلعات العراق كانت دائماً تنظر الى الشمال نحو سوريا، بينما كان نصيب الخليج من نظام صدام وحزبه وحكمه مظلماً وسيئاً، تطاول فيها صدام حسين على قدسيات دول الخليج ودمر جميع الجواهر التي كانت تملأ ملف الطموحات والآمال.

وبصراحة فإن المأمورية التاريخية التي يحملها رئيس الوزراء العراقي الجديد نحو الخليج ليست سهلة في ضوء التجربة التي عاشتها الكويت والآخرون من حسن النوايا التي ميزت مسار دول الخليج نحو بغداد.

كان صدام حسين رجلاً عابثاً بحقائق الحياة، متصوراً قدرته على ترويض المستحيل، فسقط لأنه تخطى المنطق الى أبواب المستحيل، فكانت مأساة النهاية تحمُّل شعب العراق جميع الاعباء المؤلمة، وسجل التاريخ مصير كل من يسعى لتطويع التاريخ لطموحاته.

ولهذا، فإن رسالة رئيس الوزاء العراقي السيد علي الزيدي نحو الخليج مهما كان وضوحها تحتاج بعض الوقت، وأكثر من ذلك بحاجه ماسة لوضع الاسس الصلبة والمتينة لعلاقات تتميز بالثقة وجودة الحصاد.

ويمكن لي أن أضيف حقيقة لها دور جوهري في حيوية العلاقات وتأكيد جودة حصادها، وأشير الى أن شعب الكويت يصر على علاقات أخوية مثمرة تتميز بتبادلية الاحترام في السيادة والاستقلال والهوية، فيجمعنا مع العراق الجوار الجغرافي والتلاقي في الكثير من الآمال والتعاون والطموح نحو الاعلى، وكل ذلك يفرض مسؤولية تعظيم الترابط وتعميق الاحترام لهذه الروابط التي تجمع البلدين وتتسع لضم مجلس التعاون نحو المستقبل المثمر والمبهج. وبودي أن أؤكد للقادم المحترم أننا في الكويت نقدر خطواته ونتابع الأسلوب الودي الذي يتبناه، حاملاً عبء المسؤولية وأثقالها، ومدركاً ضرورة التفاهم والتلاحم مع الخليج، دولاً وشعباً، وأن أحكام الأولويات تلح عليه بالتلاقي الأخوي والودي مع دول الخليج وشعبها، مغلقاً صفحات التعالي وفاتحاً باب المودة والأخوة لبناء علاقة عراقية - خليجية متينة يريدها الطرفان وتفرضها ضرورات الانطلاق في مسار علاقات يحصد منه الجانبان العائد المفيد عليهما عبر مسار سليم وبناء.

عبدالله بشارة

نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط