الخاصرة الليّنة

خالد أحمد الصالح
خالد أحمد الصالح
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

تعيش دول الخليج اليوم واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً منذ عقود؛ فالحرب الأخيرة كشفت عن ورطة سياسية وأمنية ليست من صنع الخليج، لكنها تدور على حدوده، وتهدد مكتسباته واستقراره؛ الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان مواجهة مفتوحة مع إيران بهدف إيقاف مشروعها النووي، بينما ترى طهران في هذا المشروع أكثر من مجرد برنامج تقني، تراه مشروعاً رمزياً وتاريخياً، ووسيلةً من وسائل تثبيت النظام واستمراره داخلياً وخارجياً.

في المقابل، تجد دول الخليج نفسها داخل معادلة شديدة الحساسية، فهي ترتبط بعلاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، تشمل تعاوناً اقتصادياً وعسكرياً وأمنياً، وهي علاقات ليست استثناءً خليجياً، بل هي جزء من شبكة تحالفات دولية قائمة في عشرات الدول حول العالم، وجود قواعد أميركية في الخليج ليس ظاهرة معزولة، بل امتداد لاتفاقيات معلنة ومعترف بها دولياً، فرضتها طبيعة النظام الدولي وموازين القوى الإقليمية.

لكن المشكلة أن إيران، العاجزة عن الدخول في مواجهة مباشرة متكافئة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، تحاول نقل المعركة إلى الساحة الخليجية، فبدلاً من الرد على مصدر الضربات، يجري استخدام الخليج بوصفه مساحة ضغط ورسائل انتقامية، تحت ذريعة استضافة القواعد الأميركية، وكأن المطلوب من دول الخليج أن تتحول إلى رهائن سياسية تُستخدم للضغط على واشنطن، في مشهد يشبه اللص الذي يضع الأبرياء أمامه لردع الشرطة.

تعرف طهران جيداً أن دول الخليج حريصة على ثلاثية أساسية: الأمن، والتنمية، واستقرار المجتمع، وهي ثلاثية بنتها هذه الدول خلال عقود طويلة من العمل والاستثمار والتحديث، بينما يبدو أن النظام الإيراني، بحكم أزماته الداخلية وطبيعة خطابه الثوري، أقل اكتراثاً بكلفة المواجهة على شعبه أو اقتصاده أو بناه التحتية.

ولهذا تبدو الحسابات مختلفة بين الطرفين، فدول الخليج لديها ما تخسره، أما النظام الإيراني فيتعامل مع الصراع بمنطق البقاء السياسي حتى لو كان الثمن استنزاف الدولة نفسها.

ومن هنا تنشأ الورطة الخليجية الحقيقية، فإذا انجرت المنطقة إلى مواجهة شاملة، فإنّ الضرر لن يقتصر على إيران وحدها، بل قد تمتد الفوضى إلى الممرات البحرية والطاقة والاستقرار الاقتصادي الإقليمي. كما أن هناك قوى إقليمية ودولية لا تخفي شماتتها بالتجربة الخليجية الحديثة، وتتمنى رؤية هذا التقدم يتراجع أو يتعثر، لأن نجاح الخليج في بناء نموذج تنموي مستقر بقي مصدر إزعاج لكثير من المشاريع الأيديولوجية المحيطة به.

غير أن الخروج من هذه الورطة ليس مستحيلاً. أول الطريق يتمثل في بناء منظومة دفاع خليجية موحدة، قادرة على مواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة، سواء الآتية مباشرة أو عبر الميليشيات المرتبطة بطهران في العراق واليمن وغيرهما. كما أن الردع السياسي والأمني لا يتحقق بالشعارات، بل بخلق توازن حقيقي يجعل أي استهداف للخليج مكلفاً لمن يخطط له أو يدفع نحوه.

لقد أثبتت التجارب أن المنطقة لا يحميها الفراغ، ولا تحميها الأمنيات الطيبة وحدها. الأمن يحتاج إلى رؤية، وتحالفات واضحة، وقوة دفاعية مشتركة، وإدراك بأن استقرار الخليج لم يعد شأناً محلياً فقط، بل مصلحة دولية كبرى. وعندما تدرك القوى المهددة أن الخليج ليس الحلقة الأضعف، بل كتلة متماسكة قادرة على حماية مصالحها، عندها فقط يمكن تقليص احتمالات المغامرة والفوضى.

الخليج اليوم أمام اختبار تاريخي: إما أن يبقى ساحةً لتصفية الحسابات، أو يتحول إلى قوة إقليمية متماسكة تفرض احترامها وتحافظ على منجزاتها وتكون قادرة على الرد بما يؤذي أعداءها فلا يعودون يرونها الخاصرة اللينة.

نقلاً عن الراي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط