إيران: دولة متهالكة، شرعية متآكلة، ونظام يتصلّب

سمير التقي
سمير التقي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

لم تفتح الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة مساراً بسيطاً نحو انهيار النظام في إيران، بل أنتجت تناقضاً أشد تركيباً: دولة تضعف، وشرعية تتآكل، ونظام أمني يزداد تصلباً.

ألحقت الضربات العسكرية ضرراً عميقاً بسردية الردع الإيرانية، وبالبنية التحتية النووية، وبمصداقية القيادة، وبقدرة الاقتصاد على الاحتمال. لكنها، في الوقت نفسه، منحت المجمع الأمني العسكري فرصة جديدة لتبرير القمع، وتغذية التحدي النووي، وتوسيع السيطرة الاقتصادية، واستدعاء التعبئة القومية.

ليس السؤال المركزي اليوم ما إذا كان النظام الإيراني قد ضَعُف. لقد حدث ذلك، وعلى نحو يصعب الرجوع عنه. السؤال الأهم هو: أي نمط من التحوّل سينتجه هذا الضعف؟

كشفت الحرب هشاشة النموذج الاستراتيجي الإيراني. ولم تُرتّب شرعية مجتبى خامنئي، هذه المرة، بطقوس كهنوتية معلنة توحي ب"تفويض" من السماء، بل جرى تكليفه من قبل السلطة الدنيوية للحرس الثوري.

هنا لا تعود الخلافة مجرد انتقال داخل النظام، بل تصبح علامة على تبدل عميق في مركز السلطة نفسه.

ومع ذلك، تقع الحالة الإيرانية بين نقيضين؛ ففي العمق، تختمر تحت الصدمة انقسامات سياسية بنيوية قد تكون مثمرة على المدى المتوسط. أما في الظاهر، وكما تفعل معظم الأنظمة الاستبدادية عند الإذلال، يرد النظام بتشديد القمع، وتضييق المنافسة داخل النخبة، وتحويل الموارد إلى المؤسسات الأمنية، وإعادة صياغة الهزيمة بوصفها دليلاً على حصار وجودي.

بهذا المعنى، لا يغدو المشروع النووي العسكري ترفاً استراتيجياً، بل يغدو بالنسبة للنظام الجديد بقاءه.

ينجم عن ذلك ثلاث نتائج: أولاً، يصبح القائد الأعلى رهين شرعية الغلبة التي ابتسرها الحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات والقضاء والباسيج. ثانياً، يزداد موقف النخب السياسية المدنية هشاشة. فعلى الرغم من العناد الأيديولوجي، تواجه المؤسسة السياسية المدنية ضغوطاً هائلة لتلافي المخاطر واحتواء الاقتصاد المنهار، بينما يتصاعد الصراع بين المحافظين الكهنوتيين، وقادة الحرس الثوري، والشبكات الأيديولوجية المتشددة، والمصالح الاقتصادية الفاسدة للمؤسسات شبه الحكومية. ثالثاً، تبقى واجهة النظام، لكن موازين القوى داخله تتغير عميقاً.

تستمر شكلياً رموز الدستور، والمرشد الأعلى، ومجلس الخبراء، والشعارات الثورية، لكنها تتحول إلى هياكل تُفرّغ تدريجياً من معناها، فيما تنتقل القوة التشغيلية، فعلياً وبلا رجعة، إلى المؤسسات العسكرية والاستخباراتية. هكذا تضعف الدولة، بينما يستقوي النظام الأمني ويتمركز.

لم تبدأ أزمة شرعية إيران مع الحرب، لكن الحرب سرّعتها. فقد وجد استطلاع "غمان" عام 2024 أن نحو 20% فقط من الإيرانيين يؤيدون استمرار الجمهورية الإسلامية، بينما تؤيد أغلبية واسعة نظاماً سياسياً مختلفاً.

فوق ذلك، تفاقمت أزمة الشرعية الراهنة لتشمل ثلاث طبقات. الأولى هي شرعية الأداء: إذ وعد النظام مجتمعه بالأمن، لكنه فشل في منع ضربات أصابت مشروعه الاستراتيجي القومي في العمق، وترافق ذلك مع انكماش اقتصادي وتضخم وضغط متزايد على الموارد. الثانية هي الشرعية الأيديولوجية للحكم، وهي شرعية تتمحور حول المقاومة الظافرية لإسرائيل والولايات المتحدة. ولذلك لا تبدو الأزمة الراهنة مجرد أزمة في القدرات العسكرية، بل أزمة هوية؛ ويتحول السرد الثوري إلى قربة جوفاء. الثالثة هي الشرعية الوطنية، فقد أضعف الهجوم الأميركي شرعية النظام، لكنه عزز التوجهات العسكرية داخل المجتمع.

نقلاً عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط