المرونة الفلسطينية… لماذا يصر الفلسطينيون على التعليم؟

د. عزة السبيعي
د. عزة السبيعي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

في تقرير اليونيسف المصور Back to Learning in Gaza ظهرت وجوه فلسطينية صغيرة، نحيلة ومتعبة، لكنها تبتسم وهي تعلن سعادتها بالعودة إلى التعلم بعد انقطاع طويل فرضته الحرب. كان المشهد بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته؛ إذ كشف عن تمسك الأطفال الفلسطينيين بالتعليم رغم كل ما فقدوه منذ السابع من أكتوبر 2023.

هذا الصوت الطفولي الحاسم فيما يتعلق بالحياة والتعليم يعيد إلى الأذهان عشرات الدراسات التي تناولت المرونة النفسية لدى الطلبة الفلسطينيين، وأشرفت عليها جامعات ومنظمات دولية. وقد فاجأت نتائجها كثيراً من الباحثين، إذ أظهرت أن الطلبة الفلسطينيين يتمتعون بمستويات مرتفعة من المرونة النفسية رغم تعرضهم للصدمات والعنف والنزوح والضغوط المزمنة.

وتشير المرونة النفسية (Resilience) إلى قدرة الفرد على التكيف الإيجابي والتعافي من الضغوط والأزمات والتحديات، والاستمرار في تحقيق أهدافه رغم الصعوبات. ويستخدم بعض الباحثين في السياق التعليمي مصطلح المرونة الأكاديمية (Academic Resilience) للدلالة على قدرة الطلبة على مواصلة التعلم والنجاح رغم الظروف المعاكسة.

وتعد العلاقة بين المرونة والضغط الأكاديمي (Academic Stress) علاقة عكسية؛ فكلما ارتفعت المرونة النفسية انخفضت آثار الضغوط. والطالب الذي يتمتع بمرونة كافية يتسم بالمثابرة والقدرة على تجاوز التحديات، ويرى الفشل مرحلة مؤقتة يمكن تجاوزها، كما يستعيد توازنه بسرعة بعد الإخفاقات. ويُعد الطلبة الفلسطينيون من أكثر الطلبة تمتعاً بهذه السمة في العالم العربي، إلا أنها لديهم ليست مجرد سمة فردية، بل ظاهرة اجتماعية وثقافية تنبع من الأسرة والمجتمع والحرص على الهوية الجماعية.

ولعل عبارة البنك الدولي في تقريره Education in the West Bank and Gaza: A Sector Analysis (2006) تلخص هذه الحالة عندما وصف إنجازاتهم التعليمية بأنها:

“Impressive achievements under harsh conditions.”

أي: “إنجازات مبهرة تحققت في ظل ظروف قاسية.”

وعند النظر إلى تاريخ التعليم في فلسطين يتضح أن التعليم لم يكن مجرد خدمة عامة، بل قيمة إستراتيجية حافظ عليها الفلسطينيون جيلاً بعد جيل. فمنذ بدايات القرن العشرين، وفي ظل الانتداب البريطاني، شهدت فلسطين توسعاً في التعليم وارتفاعاً في الطلب عليه، وبرزت طبقة فلسطينية متعلمة رأت في التعليم وسيلة للحفاظ على الهوية وبناء المستقبل.

وقد تناول المؤرخ التربوي عبد اللطيف الطيباوي هذا الدور بوصفه أحد أهم أدوات تعزيز الانتماء الوطني. حيث سعى الفلسطينيون إلى إنشاء مدارسهم الخاصة وتوسيع فرص التعليم. ومن أبرز الرواد الأستاذ خليل السكاكيني، مؤسس المدرسة الدستورية في القدس، الذي سبق عصره عندما رفض أساليب التلقين التقليدية وركز على بناء الشخصية وتنمية التفكير وتعزيز الهوية.

وبعد النكبة استمر هذا التوجه بصورة لافتة. فقد حافظ الفلسطينيون على مستويات مرتفعة من الالتحاق بالتعليم، وارتفعت سنوات الدراسة، وبرز حضورهم في تخصصات الهندسة والطب والعلوم رغم الفقر والظروف السياسية والأمنية المعقدة. كما أُنشئت مؤسسات تعليمية رائدة مثل جامعة بيرزيت وجامعة النجاح الوطنية، واستمر الاستثمار في التعليم بوصفه الخيار الأكثر واقعية للحفاظ على الهوية وبناء رأس المال البشري.
وكان لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) دور محوري في هذا الصمود التعليمي، إذ أسهمت لعقود في توفير تعليم أساسي منظم لمئات الآلاف من الطلبة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية ومناطق اللجوء. وقد حافظت الأونروا على هذا الدور بفضل شبكة واسعة من الدعم الدولي والعربي، وكانت المملكة العربية السعودية من أبرز الداعمين التاريخيين لبرامجها التعليمية؛ حيث تجاوز حجم الدعم السعودي منذ عام 1994 ثلاثة مليارات ريال سعودي، كما قدمت المملكة عام 2018 أكثر من 60 مليون دولار لدعم مشروعات الأونروا في غزة والضفة الغربية.

يمكن النظر إلى هذا التمسك بالتعليم بوصفه استراتيجية مجتمعية طويلة المدى للحفاظ على الهوية وبناء رأس المال البشري في مواجهة واقع سياسي وأمني معقد. وقد أسهمت فترات الاستقرار النسبي وإتاحة فرص التعليم والعمل في تكوين نخبة فلسطينية بارزة في مجالات العلم والأدب والاقتصاد، وهو ما يعكس نجاح هذا الاستثمار التاريخي في التعليم. وقد أثبت الفلسطينيون في الداخل والخارج جدوى هذا الاستثمار. فمنهم أكاديميون ومفكرون ورجال أعمال وأدباء تركوا بصمات مؤثرة، مثل حنان عشراوي وسري نسيبة ومنيب المصري، إضافة إلى رموز ثقافية بارزة مثل محمود درويش وفدوى طوقان وغيرهم كثير.
إلا أن الحرب التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر 2023 وجهت ضربة غير مسبوقة للتعليم الفلسطيني. فقد تضرر أو دُمّر معظم النظام التعليمي في قطاع غزة، وتعرضت معظم المدارس لأضرار جسيمة. وتشير بيانات وزارة التربية الفلسطينية إلى مقتل أكثر من 20 ألف طالب وطالبة، وأكثر من ألف معلم وإداري، وإصابة أكثر من 30 ألف طالب ونحو 4700 معلم وإداري. كما فقدت الأونروا مئات من موظفيها، وتعرض عدد كبير من مدارسها ومنشآتها التعليمية للتدمير أو الضرر.

ومع ذلك، ظل الأطفال الفلسطينيون يرسلون الرسالة ذاتها التي حملتها وجوههم في تقرير اليونيسف: أن التعليم ليس رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل جزء من الحياة نفسها.

ولعل الطفلة الفلسطينية راما، التي ظهرت في أحد تقارير رويترز، اختصرت هذه الرسالة بكلمات قليلة لكنها بالغة الدلالة حين قالت:

“لا أريد أن أعيش في مدرستي، أريد أن أتعلم فيها.”

ربما كانت هذه العبارة أبسط من أن تُدرج في تقرير دولي، لكنها أعمق من كثير من الخطابات السياسية؛ لأنها تعبر عن القرار الذي اتخذه الأطفال الفلسطينيون منذ زمن طويل: التمسك بالتعليم مهما كانت الظروف، والأمل في أن يختار العالم السلام ليعودوا إلى مدارسهم بوصفها أماكن للتعلم لا بيوت مؤقتة للنازحين.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط