شركاء في نكبة غزة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
السلاح هو الذي يبقي حماس في غزة، وهو ليس معادلة عسكرية بقدر ما هو معادلة بقاء سياسي أيديولوجي تختفي تحت ظلاله القيمة الإنسانية والوطنية والأخلاقية وحتى الدينية، لأن المعادلة القائمة هي تحويل المدنيين الى رهائن من أجل تحقيق مزيد من الوقت لكي تستمر الحالة التي فرضتها حماس قرابة عقدين من الزمن قائمة للأيام القادمة.
بالتالي إن استمرارية حماس في غزة هي معادلة معقدة، فيها هيمنة إخوانية بحكم الأيديولوجيا لأن خروج غزة من قبضة حماس تعني رحيل مشروعهم الثوري، وهي أيضاً مزاحمة إيرانية داخل خط الإخوان باعتبار حماس هي الفاعل في المنظومة التي تبرر تدخلات إيران في المنطقة بحجة القدس، وكذلك الأمر هي معادلة قيادة حركة حماس في الخارج التي ترى في نهاية سلاح حماس في غزة، نهاية مرتقبة لدور المكتب السياسي واستمرار ظهوره الإعلامي، وهي أيضاً معادلة "حماس غزة " الداخلية والتي ترى في تسليم سلاحها يضعها تحت مساءلة الضحايا وخصوصاً الإعدامات الجماعية الأخيرة التي استهدفت عائلات بعينها دون إدانات أو أدلة حقيقية لما فعلت.
بالتالي تأتي استمرار النكبة للمدنيين في غزة بين مشروع حكومة اليمين الإسرائيلية المتطرفة الراغبة باستغلال كافة الظروف لتهجيرهم، وبين ثلاثي المحور الذي يجعل من إطالة أمد الكارثة استمراراً لوجوده كلاعب أساسي في "المسألة الفلسطينية" التي تزداد تعقيداتها تباعاً بما يستغل القضية الفلسطينية نحو مزيد من التعقيدات على حساب الجوهر الأساسي لمعادلة التحرر والأرض.
هناك مسألة إضافية تصنعها معادلة "النكبة والمال" في غزة والتي تعتبر ضمن سياق المعادلة الإخوانية التاريخي، حيث تعتبر النكبات والكوارث فرصة مهمة لجمع المال عبر سياق عاطفي يخفي ما تحته من أساليب يراد منها توسيع دائرة النشاط الإخواني عبر تشكيل " لوبي مالي" يعطي الجماعة حضوراً مادياً ومعنوياً، وبالتالي الحالة الاستثمارية المؤقتة حيثما أتيحت يحاول الإخوان استغلالها بشكل جيد، فهم يأخذون ويأخذون عبر التبرعات ثم يدفعون منها قدراً محدوداً إلى من يستحقون بغية استغلالهم في التطويع النفسي من جانب، بينما يتحقق للإخوان الكسب المادي عبرهم من جانب آخر، لذلك قيل في الإخوان انهم لا يبنون مسجداً إلا إذا ضمنوا أنهم سيحصلون عبره على مساحة لجمع التبرعات.
لذلك، حرصت حماس على بقاء غزة منكوبة منذ انقلابها، وهذا كان يتطلب استدراج الاحتلال سواء عبر لعبة الصواريخ المتتالية أو الاستعراضات العسكرية والخطاب الإعلامي الذي يصور غزة وقد أصبحت ذات قدرات عسكرية هائلة، وهو ما كان يخدم اليمين الإسرائيلي المتطرف في المستوى الإعلامي في اعادة تشكيل نفسه على قاعدة الغاء العملية السياسية، وهو بالمقابل خطاب كانت منابر الإخوان الإعلامية وشركائها حريصة على تبريره وتصوير غزة بالأسطورية بمقابل تخوين المسار السياسي الذي كان المدخل الوحيد لحقن معادلة الدم وإعادة القضية الفلسطينية الى الصدارة بدلاً من تحويلها الى مسألة يتقاذفها المجهول.
ليس هناك من خبير مبتدئ في العلم العسكري يستطيع القول إن غزة يمكنها أن تدخل معركة عسكرية خصوصاً وأنها كتلة ضيقة من الأرض تقيم فوقها كتل اسمنتية وعمارات شاهقة حتى تستطيع استيعاب أكبر كثافة بشرية في الكرة الأرضية وفقاً للمعايير الدولية، وكان مطلوباً من خلال هذه الكتلة من الأبنية أن تطلق الصواريخ في معادلة صاروخ مقابل غارة جوية إسرائيلية وأكثر، ثم يتم توصيف المشهد بأنه عمل بطولي سيعيد تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني، بينما هو في الواقع كان يعمل على إعادة تراكم أيديولوجيا وخطاب شعبوي عمل على تحقيق معادلتين معاً، الأولى النكبة والثانية الشقاق في الساحة الفلسطينية.
الاحتفاظ بالسلطة في غزة هي مسألة وجودية لحماس وبالتالي حماس والإخوان لا يردون أي دور للسلطة الفلسطينية كي لا تذهب مأساة غزة نحو الحل، وهو أيضاً خطاب إسرائيلي بقي ولا يزال يرفض وجوداً للسلطة الفلسطينية في غزة، بحيث تصبح المعادلة الثابتة والوحيدة هي الحفاظ على سلطة حماس، وانتصار فكرة التنظيم الدولي وانتصار الأيديولوجيا، في معادلة مقايضة المصالح الحزبية باللحم الآدمي، وهي الحالة لم يسجل التاريخ من قبل ما يشبهها، لكنها تحدث الآن أمام أعينهم وهم يشاهدون الكارثة ويقولون أنهم انتصروا، في الوقت الذي ينتظر مئات آلاف الجرحى والمرضى والمنكوبين المعادلة الأدنى والتي هي فقط الحياة.